هل طَوَتْ زيارة الشيباني إلى لبنان صفحة العداء للحزب؟

حزب الله والشيباني: شيء من الإيجابية يؤسِّس للمستقبل

بإيجابية، قيّم حزب الله زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان. ففي كلام المسؤول السوري عن حزب الله شيء من الإيجابية، يوحي بأن سوريا طوت صفحة الماضي مع الحزب، وتجاوزت مرحلة النظر إليه كشريك في الحرب إلى جانب النظام السابق.

ووفق ما فهمه الحزب من زيارة الشيباني ولقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، فإن سوريا عبّرت عن عدم رضاها عن اتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان مع إسرائيل، كما أبدت رغبة حقيقية في تحسين العلاقة مع الشيعة في لبنان. ومن هذا المنطلق، اكتسبت زيارة الشيباني إلى بري أهمية مضاعفة، بالنظر إلى موقعه رئيسًا للسلطة التشريعية، وأحد طرفي الثنائي الشيعي في لبنان.

ومن باب أن الشيء بالشيء يُذكر، كان من البديهي أن يُطرح ملف الشيعة في سوريا ضمن جدول البحث، حيث أبدى الشيباني استعداد بلاده للمساعدة في هذا المجال. وإذا تُرجمت هذه الوعود عمليًا، فقد تشكل أحد العناوين التي تساعد على تحسين العلاقة بين سوريا وحزب الله، لا سيما أن الواقع الشيعي في سوريا لا يزال يحتاج إلى التفاتة من الدولة برئاسة أحمد الشرع.

ولا يدخل حزب الله في تفاصيل محطات زيارة الشيباني، ويكتفي بمقاربتها من زاوية عامة، وإن كان قد رصدها بدقة باعتبارها تمثل فتح صفحة جديدة بدأت ملامحها فور تسلم أحمد الشرع الرئاسة، عبر وسطاء مقربين من الطرفين. كما لعبت تركيا دورًا في هذا السياق، إذ نقلت تطمينات متبادلة مفادها أن حزب الله لن يعود إلى سوريا مجددًا، بعدما سحب جميع عناصره من الأراضي السورية، وقطع بالفعل كل صلاته السابقة، وأعاد تموضعه في إطار علاقة جديدة مع الدولة السورية. وفي المقابل، نقلت تركيا أن دمشق أقفلت صفحة الماضي مع حزب الله، ولن تتعامل معه على أساس ما شهدته المرحلة السابقة.

وفي بعدها الإقليمي، أحاطت رعاية تركية – سعودية بزيارة الشيباني إلى لبنان، حيث أُعد برنامج لقاءاته على هذا الأساس، ولكل محطة قراءتها الخاصة، وإن كانت بمجملها تعكس إعلان عودة سوريا إلى لبنان، ولكن من باب الندية في التعاطي بين البلدين. وتظهر هذه المقاربة في ملفات عدة، سواء لجهة تشكيل اللجنة المشتركة بين البلدين أو تنظيم التمثيل الدبلوماسي وفق أطر تختلف عما كان قائمًا في الماضي، وهو أمر يبدو طبيعيًا، إذ لكل مرحلة ظروفها ورجالها. إلا أن جميع محطات الزيارة تبقى في كفة، فيما تأتي محطة طرابلس في كفة أخرى، بالنظر إلى أبعادها على أكثر من مستوى.

حضر الشيباني إلى لبنان بصفته وزيرًا للخارجية السورية، وهو منصب يحمل في الذاكرة اللبنانية الكثير من الرمزية التي باتت اليوم جزءًا من الماضي. لكن بين لبنان وسوريا أكثر من مجرد تداخل جغرافي؛ فهناك هموم مشتركة، أولها أن الجنوب السوري، كما الجنوب اللبناني، يعانيان من الاحتلال الإسرائيلي، فضلًا عن ملفات عالقة، من بينها مزارع شبعا، وترسيم الحدود البحرية الذي أنجزه لبنان منفردًا مع قبرص، مستثنيًا سوريا.

ومن الطبيعي أن تعتبر سوريا نفسها معنية باتفاق الإطار الذي وقّعه لبنان منفردًا مع إسرائيل، وترى فيه خطوة قد تمنح إسرائيل تنازلات تفتح شهيتها تجاه دول الجوار وتعزز أطماعها، وهو ما يثير قلق دمشق. كذلك، لم تُبدِ دول عربية عدة حماسة لهذه الخطوة التي أقدم عليها لبنان منفردًا، خصوصًا أن الاتفاق لم يدخل حيّز التنفيذ من الجانب الإسرائيلي، والأرجح أنه لن يدخل في المدى المنظور، فيما يعوّل لبنان على الولايات المتحدة لمنحه ورقة قوة قبل الزيارة المرتقبة إلى البيت الأبيض.

وبعيدًا عن هذه الملفات، التي سيحين موعد بحثها بين بيروت ودمشق، شكّلت زيارة الشيباني إلى الرئيس بري باكورة علاقة جديدة مع الشيعة في لبنان، ولا سيما أن الوزير السوري أرسل إشارات إيجابية تجاه حزب الله، عندما قال إن لا شيء يمنع اللقاء بين الجانبين إذا اقتضت مصلحة البلدين ذلك.

 يمكن الحديث عن بداية انطلاق تواصل بين حزب الله والنظام السوري، بعد محاولات مشتركة بدأت على المستوى الأمني، وجاءت انعكاسًا للتقارب التركي – الإيراني حول القضايا المختلفة في منطقة الشرق الأوسط. ويؤشر ذلك إلى ترجمة فعلية لخطاب الرئيس أحمد الشرع، الذي رسم الخطوط العريضة للعلاقة بين سوريا ولبنان، ولا سيما كيفية مقاربة العلاقة المستقبلية مع حزب الله.

ويبدو أن العلاقة انتقلت من مرحلة العداء إلى مرحلة الخصومة السياسية، تمهيدًا لإمكان الوصول إلى تسوية تتيح للطرفين مقاربة الاستحقاقات التي تشهدها المنطقة، ولا سيما في ظل الاعتداءات والخروقات الإسرائيلية المستمرة في الجنوبين السوري واللبناني. ومن هنا، تتجه العلاقة بين سوريا وحزب الله، وإن ببطء، نحو صيغة تحفظ مصالح الطرفين وتحدّ من أي سوء تفاهم مستقبلي.

عندما قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن أمن دمشق وبيروت هو من أمن تركيا، برزت تساؤلات عدة: ما رمزية زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى طرابلس؟ وكيف ترتب تركيا مسار العلاقة بين سوريا وحزب الله؟ الأساس في حرص الطرفين على صفحة جديدة ستتبلور معالهما مستقبلاً وما حمله الشيباني من انطباع عن اللقاء مع بري.

غادة حلاوي – المدن

مقالات ذات صلة