🟠جيش داخل الجيش ومناطق آمنة: إجراء “نفضة” أخطر ما يُحاك لليوم التالي!

ليس مزحةً الكلامُ المتداول عن حلّ الجيش اللبناني، أو استبداله بجيش آخر أو تركيبة عسكرية مختلفة أو استيلاد جيش من رحم الجيش. ولا ينبغي التعامل معه على سبيل المزاح أو اعتباره مجرد ضجيج إعلامي، ببساطة لأنه يصدر عن شخصيات ناشطة ونافذة ضمن لوبيات ضغط لبنانية – أميركية مؤثرة داخل الولايات المتحدة، تمتلك قنوات تواصل فعالة مع أعضاء في الكونغرس الأميركي، ولأنه يُطرح في توقيت لبناني بالغ الحساسية. وعادةً ما ارتبط تغيير الجيوش أو حلّها في دول المنطقة، كما في النموذجين العراقي عام 2003 والسوري عام 2025، بالأزمات والانقسامات، والصراع الأهلي وانعدام الأمن والخراب. فهل عاد التفكير في الصيغة اللبنانية من هذا المنظور، أي إجراء تغيير هندسي يعيد تشكيل الإطار اللبناني بأكمله؟

يصبو بعض الناشطين، إلى إدخال تعديلات عميقة ومؤثرة على تركيبة الجيش. هذا الكلام ليس جديداً، ولا هو وليد اللحظة، بل هو جزء من نهج وسياسة يدرك كثيرون في الداخل وجودهما. ففي السابق طُرحت نظريات متعددة حول أفضل السبل لإرسال ضباط من الرتب العليا، ولا سيما ضباط ما يُعرف بـِ “دورات ما بعد الحرب والطائف”، إلى منازلهم، باعتبارهم امتداداً فعلياً للنظام والتركيبة الحاليين، وأنهم يشكلون استمرارية لهما في السياسة أو عند انتقالهم إلى الإدارة.

الغاية، إذن، هي إجراء “نفضة” داخل الجيش. وهذا الكلام قيل أو أُسِرَّ به إلى مسؤولين لبنانيين، سابقين وحاليين، بصرف النظر إذا ما كانوا موافقين أم لا. وقد أشير إلى أسباب ترتبط في ما سمي “الولاء لحزب الله”. الآن من يعود ويطرح هذه النظريات اليوم، يبني على معطيات صدرت عن قيادة الجيش وبعض ضباطه، في معرض تحذيرهم من أنقسام الجيش، أشاروا فيها إلى أن نحو 35% من تركيبة المؤسسة العسكرية وهرميتها هم من الشيعة مثلا. وينظر دعاة التغيير إلى ذلك على أنه تأكيد لنظريتهم بأن عدداً هائلاً من عناصر الجيش يشكلون امتداداً واقعياً لـ”حزب الله”.

“النفضة” في نظر أصحابها، تعيد إنتاج جيش مختلف، عبر غربلة الضباط والجنود، أو فرض منظومة قيادة وإمرة بصيغة جديدة، بهدف إطلاق جيش يؤدي مهام مختلفة. ومن يطرحون هذه الأفكار اليوم باتوا مقتنعين بأن الجيش، بصيغته الحالية، غير قادر على تنفيذ المطلوب منه خلال المرحلتين الحالية والمقبلة، أي مرحلة تنفيذ الاتفاق مع إسرائيل، ولا على مواكبة متطلباته. والنظرة نفسها تنسحب على قيادة الجيش الحالية، التي يعتبر هؤلاء أنها غير قادرة على نقل المؤسسة إلى ضفة مختلفة تماماً عما هو قائم. وثمة من يذهب أبعد، فيرى أن الجيش يفتقر إلى الجرأة اللازمة لإحداث تغيير جذري في هيكليته وتوجيهاته، وأنه يتجنب ذلك، فيما يعتبر أصحاب هذا الطرح، ومعهم الأميركيون، أن الأسباب التي يستند إليها الجيش في موقفه ليست واقعية.

ثمة أوراق قوة عديدة تُستخدم للضغط على الجيش، ومن خلفه الدولة، لدفعهما إلى الإذعان لمطالب التغيير، وفي مقدمتها المساعدات الأميركية. فصحيح أن هذه المساعدات باتت تأتي بالقطارة منذ سنوات، إلا أن الجيش لا يزال يعتبرها سبباً أساسياً لاستمراره، ما دامت الدولة “العظيمة”، ترفض التعامل معه باعتباره جيشاً لبنانياً يجب أن تتكفل هي بتمويله. والجميع يعلم، بمن فيهم من يتغنون باستقلالية الجيش، أن توقف المساعدات المالية والتقنية الأميركية، أو تلك التي تقدمها دول بالنيابة عنها، سيترك آثاراً واضحة على المؤسسة العسكرية وعناصرها.

العودة إلى الأساس
هناك إدراك بأن حلّ الجيش أو تغييره جذرياً سيؤدي إلى ولادة جيوش من رحمه، وتوزع مراكز القرار والإمرة، بما يعني الانزلاق نحو سلاح وجيوش متفلّتة. لذلك، فإن الخيار الذي يفكر فيه البعض يتمثل في الإبقاء على الجيش بصيغته الحالية، ولكن كقوة أمن داخلي فقط، أي الإبقاء على مهماته الحالية من دون تعديل. أما المهام المتعلقة بنزع سلاح المقاومة، والانتشار في الجنوب، ومنع وصول السلاح، وما شابه، فيجب أن يتولاها جيش ثانٍ، أو بالأحرى تشكيل فرق أو ألوية خاصة داخل الجيش لهذه المهمات، على أن يجري اختيار عناصرها بدقة، فيما تتولى الولايات المتحدة تدريبهم وتمويلهم، بشرط أن يتم اختيار قيادة عسكرية بتوجهات “عصرية”..!

ويرى كثيرون أن مقترحاً من هذا النوع، وهو مطروح بالفعل، سيخلق فجوة داخل المؤسسة العسكرية بين الضباط والجنود، ويؤسس لطبقات متمايزة وربما متنافرة، ويفتح الباب أمام منافسة أو نزاع داخلي، مهما جرى لاحقاً تسويق المشروع على أنه مجرد تعزيز لقوات النخبة الموجودة أصلاً.

قبل فترة غير بعيدة، قالت شخصية تتردد باستمرار إلى الولايات المتحدة إن واشنطن تخطط لإقامة مناطق آمنة داخل لبنان. كان ذلك بعد حرب أيلول – تشرين الثاني 2024. يومها كانت فكرة غريبة، كما الحديث عن احتمال دخول قوات أميركية لحفظ الأمن في الجنوب بديلاً من قوات “اليونيفيل”، ضمن ترتيبات إقليمية واسعة. إلا أن ما يُسرَّب اليوم يشير إلى أن فكرة المناطق الآمنة، أو ما يحلو لبعض المشاريع تسميته “المناطق الحرة” باتت مطروحة فعلاً، تحت عنوان توفير بيئة آمنة لـ”الجيش الجديد”، أو للفرق والألوية المستحدثة داخله، بحيث تبقى بعيدة عن مناطق نفوذ الحزب، أو ما يُعتقد أنها مناطق ذات تأثير له. وهنا تستعاد نظرية “المدفون – كفر شيما” بالمقلوب. بمعنى أن تبدأ المناطق الآمنة من شرق بيروت صعوداً نحو المتن وجبيل وبعض أقضية الشمال.

وفي ذلك ما يشبه، إلى حد بعيد، تجربة “المناطق الحرة” في سوريا، أو النماذج التي شهدتها دول أخرى عانت من التدخلات الأميركية. وبالتأكيد، سينظر كثيرون إلى هذه الطروحات باعتبارها شكلاً من أشكال التقسيم الجغرافي غير المعلن، حيث يصبح هناك جيش آخر، ومناطق شبه مستقلة داخل بلد يُفترض أنه موحد وذو سيادة، تتحرك فيها هذه القوات، وربما تُستخدم للقتال داخل لبنان متى شاء رعاة المشروع ذلك.

عندها لا يعود الحديث مقتصراً على تغيير عقيدة الجيش، بل يمتد إلى تغيير مهمته ودوره ووظيفته. وهذا يندرج، في نظر كثيرين، ضمن سلسلة الهندسات السياسية والأمنية الجارية في البلد ككل.

تبقى المسألة الأهم في كيفية إيجاد حل ليس لوضعية قائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي بات، بحسب هذه المقاربة، مزعجاً بسبب تمسكه بعقيدة المؤسسة العسكرية، بل أيضاً بسبب إصراره على البقاء في موقعه ورفضه أي محاولات لتغيير مهمة الجيش أو إنتاج “جيش داخل الجيش”. وليس سراً، كذلك، أن ثمة قوى سياسية ترغب في حمايته والإبقاء عليه، باعتباره يشكل، في نظرها، خط الدفاع الأول عن المؤسسة العسكرية بشكلها الحالي، ومعه تصبح الغاية مفهومة من وراء إثارة مسألة إقالته إعلامياً في هذا التوقيت.

المدن

مقالات ذات صلة