🟠الحياة تعود ببطء وسط الأنقاض الى الضاحية: «لقد عدنا. هذا أفضل مكان في لبنان»!

في الضاحية الجنوبية، وهي متاهة من الأحياء الواقعة جنوب بيروت، حيث يفرض «حزب الله» المدعوم من إيران نفوذه، عادت الاختناقات المرورية من جديد. وعادت المخابز تُخرج أرغفة الخبز اللبناني المسطّح من الأفران، فيما امتلأت المقاهي، التي تزيّنت بأعلام الدول المشاركة في كأس العالم، بالرجال والنساء الذين يتابعون المباريات ويمضون فيها حتى ساعات متأخّرة من الليل.

لأكثر من 3 أشهر، جلب القتال بين إسرائيل و»حزب الله» غارات جوية وإنذارات بالإخلاء ونزوح عشرات الآلاف من السكان من هذه الأحياء التجارية والسكنية المكتظة. أمّا اليوم، وبعد سلسلة من اتفاقات وقف إطلاق النار التي كانت تبدأ ثم تنهار، وتوقيع اتفاق أولي بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، فإنّ الحياة تعود بسرعة تكاد تضاهي سرعة اختفائها، على رغم من أنّ أكوام الركام ما زالت تتناثر بين المباني التي انفجرت واجهاتها وباتت مفتوحة على السماء.

«لقد عدنا. هذا أفضل مكان في لبنان»

يشير محمد طراد (45 عاماً)، الذي يدير مقهى يقدّم القهوة والنرجيلة: «لقد عدنا. هذا أفضل مكان في لبنان». كانت الضاحية الجنوبية أولى المناطق التي استهدفتها الضربات الإسرائيلية، التي دوّت في أنحاء بيروت، بعد اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في أوائل شهر آذار. وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل قد هاجمتا إيران، فيما ردّ «حزب الله» بإطلاق النار على إسرائيل. فجاء الردّ الإسرائيلي.

كان الوقت منتصف الليل. وكانت العائلات تستعد لتناول السحور قبل بدء صيام رمضان. لكن بدلاً من ذلك، حزمت أمتعتها وفرّت؛ إلى الواجهة البحرية، أو إلى أحياء ومدن أخرى، أو إلى منازل أقارب وأصدقاء استضافوها. وبعضهم حوَّل سياراته إلى مساكن موقتة، فأوقفها على بُعد بضعة شوارع فقط من منازله التي كان يستطيع رؤيتها، لكنّه لم يجرؤ على دخولها. وأعاد هذا النزوح إلى الأذهان ذكريات عام 2024، حين اضطر السكان إلى مغادرة منازلهم خلال الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

وبعد الإعلان عن وقف لإطلاق النار في منتصف نيسان، سارع السكان إلى العودة، قبل أن يأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجيش الإسرائيلي بشن هجوم على الضاحية الجنوبية بعد أسابيع، ما دفع كثيرين إلى الفرار مجدّداً. وبعد إعلان الولايات المتحدة وإيران وقف إطلاق النار في منتصف حزيران، بدأ السكان يعودون تدريجياً. ومع ذلك، عادت الغارات الإسرائيلية لتستهدف المنطقة مرّة أخرى، في خطوة أثارت حتى غضب الرئيس دونالد ترمب.

ووفقاً لمنظمة العفو الدولية، أصدرت إسرائيل 27 إنذاراً جماعياً بالإخلاء للضاحية الجنوبية بين شهرَي آذار وأيار. واعتبرت المنظمة أنّ التوسع في استخدام الجيش الإسرائيلي لهذه الإنذارات يشكّل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني. أمّا إسرائيل، فتشير إلى أنّها تستهدف بنى تحتية وعناصر تابعة لـ»حزب الله» في المنطقة، بالإضافة إلى الردّ على إطلاق الحزب طائرات مسيّرة وصواريخ باتجاه شمال إسرائيل.

ويضيف طراد: «لا أحد مُجبر على العيش هنا. لكنّهم يريدون العودة والعيش هنا»، على رغم من أنّه خسر ما يصل إلى 27 ألف دولار، بعدما دمّرت غارة استهدفت مبنى مجاوراً متجره.

مكان متعدِّد الطبقات، محلّي بامتياز، سياسي بعمق

في أي يوم عادي، تضجّ الضاحية الجنوبية بإيقاع المدينة النابض: موظفون يتوجّهون إلى أعمالهم، متسوّقون يبحثون عن الحسومات، وأصدقاء وعائلات يجتمعون في المطاعم. وكثير من سكان المنطقة من مؤيّدي «حزب الله»، وتنتشر فيها أعلام الحزب الصفراء، والجداريات التي تحمل صور قادته، واللافتات التي تخلّد مقاتليه الذين سقطوا. والنتيجة مكان متعدِّد الطبقات؛ محلّي بامتياز، سياسي بعمق، ويجسد في آنٍ التوترات والطموحات الأوسع للبنان الحديث.

وقد انكشفت هذه الطبقات بوضوح أمام عيسى فحص (51 عاماً)، الذي يدير متجراً لمستحضرات التجميل في الضاحية. قلبت الحرب حياته رأساً على عقب. فقد اضطر إلى مغادرة منزله، تشتَّت العاملون لديه، وتحطّمت الواجهة الزجاجية لمتجره. ويؤكّد أنّ أسعاره المنخفضة نسبياً كانت تجذب الزبائن من أحياء وبلدات أخرى، إلى أن اضطر إلى إغلاق متجره لأشهر. ويقدّر أنّه كان يخسر ما يصل إلى 4 آلاف دولار يومياً من مبيعات العطور ومستحضرات التجميل قبل إعادة افتتاحه. وأضاف، أنّ الحرب في إيران عطّلت أيضاً الواردات التي يعتمد عليها من دول من بينها الصين وتركيا.

وشدّد، في إحدى الأمسيات الأخيرة بينما كان الزبائن يتوافدون تدريجياً إلى متجره: «هذه الحرب جلبت معها كثيراً من الخسائر. لكنّنا نريد دائماً أن نبقى إيجابيّين».

إحياء مراسم عاشوراء أحد أسباب التفاؤل

بالنسبة إلى كثيرين في الضاحية، فإنّ أحد أسباب هذا التفاؤل هو تمكّنهم من العودة لإحياء مراسم عاشوراء، وهي مناسبة مقدّسة في الإسلام الشيعي تُحيي ذكرى مقتل الإمام الحسين، حفيد النبي محمد، عام 680 ميلادية. وفي مختلف الأحياء، يوزّع متطوّعون يرتدون السواد المياه الباردة والقهوة على المارة، ويتناوبون على تحريك قدور ضخمة من الهريسة، وهي وجبة تُطهى ببطء من القمح واللحم المفروم، وتُعدّ في مراجل كبيرة ثم تُوزَّع على الأصدقاء والجيران والفقراء.

وعلى مدى 10 ليالٍ، يجتمع السكان أيضاً في ساحات الأحياء للصلاة، ترديد الأناشيد، والاستماع إلى الخطب، بما فيها خطابات الأمين العام لـ«حزب الله»، نعيم قاسم.

يلفت علي العلوية إلى أنّه يشعر بالارتياح لعودته، إذ لم يكن يتصوَّر أن يقضي عاشوراء بعيداً من الضاحية. وأضاف أنّ إحياء المناسبة هذا العام حمل أيضاً قدراً كبيراً من الحزن، بعدما جاء عقب سنوات اتسمت بالحروب. وأضاف العلوية (39 عاماً)، الذي عاد أخيراً إلى الضاحية مع زوجته وطفليه: «تُعلّمنا عاشوراء ألّا نخاف. علينا أن نواصل المسير».

لكن لم يعُد الجميع. فما زال كثير من السكان نازحين بسبب تضرُّر منازلهم، بينما اختار بعض كبار السن البقاء بعيداً، غير راغبين في خوض دورة جديدة من حزم الأمتعة، الفرار، ثم العودة، قبل التوصُّل إلى اتفاق أكثر ديمومة.

نيويورك تايمز

مقالات ذات صلة