🟠اختبار الجنوب يبدأ و”اللصّ” الإيراني يحاول التسلّل… وبعبدا تحسم!

حقق لبنان وثبة تاريخية في مسار استعادة قراره، بعدما بقي لعقود طويلة أسير “الممانعة” ومشروعها الذي لا يعترف أصلا بفكرة الدولة ولا بمنطق المصلحة الوطنية الخالصة. لقد أسقطت السلطة الشرعية جدارًا من المحرّمات والعُقد، استُخدم للتعطيل والترهيب وتكريس هيمنة “حزب الله” على البلد. وانطلاقًا من هذه الثورة اللبنانية الرسمية على الحرس “البوليسي” الإيراني، تولّت بعبدا، بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام، إدارة هذا المسار التفاوضي مع إسرائيل بدقة وعزم، فنجحت أولا في تثبيت فكرة التفاوض المباشر التي وُلدت من داخل الدولة، كما في تثبيت طرح “المنطقة التجريبية”، الذي أتى من بنات أفكار لبنان ورئيس الوفد المفاوض، السفير السابق سيمون كرم.

كوبر في بيروت

ومن هنا، ينتقل الاتفاق من كونه اختراقًا سياسيًا يعيد رسم المشهد اللبناني برمّته إلى اختبار ميداني مفصلي في الجنوب. في هذا السياق، يصل قائد القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، الأميرال براد كوبر، إلى بيروت اليوم، بعدما زار إسرائيل السبت، على أن يبدأ نشاطه بالإشراف على التفاصيل الميدانية لاتفاق الإطار في واشنطن. وتشمل هذه التفاصيل آلية تطبيق الاتفاق، والمناطق التجريبية، والتنسيق بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، والترتيبات المرتبطة بالاتفاق. وسيرافق كوبر فريق عسكري أميركي مؤلف من ضباط وعناصر للعمل على الأرض، على أن تكون مهمة هذه القوة منفصلة عن “الميكانيزم”، خصوصًا أن هذا الاتفاق يشمل لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، خلافًا لـ”الميكانيزم” التي كانت الأمم المتحدة شريكة فيها.

وكانت صحيفة “جيروزاليم بوست” كشفت أن كوبر التقى رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير الخميس الماضي، وركّز لقاؤهما بشكل أساسي على إيران، لكن كان له أيضًا تأثير كبير في اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي. وأوضحت الصحيفة أن زامير وكوبر كانا المسؤولين العسكريين الأساسيين في تحديد التفاصيل المتصلة بقواعد الاشتباك الإسرائيلية مع منتهكي وقف النار من “حزب الله”، وبالشروط التي تتيح للجيش اللبناني تسلّم مناطق من الجيش الإسرائيلي، بحيث يتمكّن الأخير من الانسحاب من أجزاء محدّدة من لبنان. وفي الإطار الميداني، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، في بيان، أن الجيش الإسرائيلي دمّر بنية تحتية لـ”حزب الله” في مجدل زون، عبارة عن ممرّ يزيد طوله على 200 متر وعمقه على 25 مترًا، ويحتوي، “على مئات الوسائل القتالية وعدد من فتحات الإطلاق المخصصة لاستهداف الأراضي الإسرائيلية ومواطنيها”. وأكد البيان أن “إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة مسبقًا بعملية التدمير، مشدّدًا على أن “قادة الجيش الإسرائيلي ومقاتليه سيبقون في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، وسيواصلون تدمير البنى التحتية و”إزالة التهديدات” عن مستوطنات الشمال”.

بعبدا تحسم

وتشير المعلومات إلى أن رئيس الجمهورية جوزاف عون والدولة اللبنانية يتطلعان إلى كيفية بدء التنفيذ على الأرض، انطلاقًا من زوطر وفرون. غير أن كل المؤشرات من جانب “حزب الله” تبدو سلبية، خصوصًا بعد بيان بلدية فرون الرافض لشمول البلدة بالمنطقة التجريبية، والذي تعتبر الدولة أن “الحزب” يقف خلفه. وعلى الرغم من حملات التحريض، فإن رئيس الجمهورية قال كلمته، ولن يدخل في جدال، وسط تأكيد بعبدا المضي في استعادة الدولة سيادتها وعدم التفريط بها، وعدم السماح، في المقابل، لأي دولة بأن تفاوض عن لبنان، مع تمسك واضح وحازم بمسار واشنطن. وفي هذا الإطار، أكد مصدر رسمي أن اتفاق واشنطن واضح، وأن ما تم الاتفاق عليه أُعلن، ولا وجود لأي بنود أو ملاحق سرية، خلافًا لما جرى تداوله بعد اتفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي فاوض عليه رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأقرّ حرية العمل لإسرائيل، ثم أقرّته حكومة نجيب ميقاتي التي كان يسيطر على قرارها “الثنائي الشيعي”.

إلى ذلك، أشارت المعلومات الى حصول تواصل بين عون وبري، إذ يحرص الأخير على التكتم وعدم توتير الأجواء، في ظل رفضه ورفض “الحزب” للمناطق التجريبية، ما يصعّب الأمور على الجيش اللبناني والدولة، ويمنح إسرائيل مبررات إضافية لمواصلة حربها. وفي المقابل، تشير المعلومات إلى حصول تواصل مصري وقطري مع بري للدفع باتجاه السير بالاتفاق، لأن البديل سيكون أسوأ، فيما تمارس الدوحة أقصى درجات الإقناع مع بري، انطلاقًا من أن ضرب هذا الاتفاق سيفتح الباب أمام المجهول. وتُرجّح المعلومات أن ينعقد خلال ساعات أول اجتماع لـ”الميكانيزم” الجديدة، أو اللجنة المنبثقة عن لقاء بورغينشتوك، بمشاركة إيران وقطر ولبنان وأميركا وباكستان، وسط ترجيح أن تكون قطر وجهة اللقاء.

وعلى خط الأمن، أفادت المعلومات بأن القرار السياسي المعطى للجيش اللبناني يقضي بضبط الأمن، وعدم السماح لـ”حزب الله” بتخريب السلم الأهلي. وفي حين سيحترم الجيش أي اعتراض سلمي ضمن الأطر القانونية، فإن أي محاولة لتشريع الفلتان ستواجَه بحزم.

بالتوازي، يكشف الاتصال بين رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف وبري حجم المحاولة الإيرانية لإعادة إدخال طهران إلى القرار اللبناني من نافذة “إدارة النزاع”. فبينما تتحدث إيران عن صون سيادة لبنان، تسعى عمليًا إلى جعل هذه السيادة موضوعًا على طاولة تفاوض إيرانية ـ أميركية. ومن هنا تبدو مفارقة موقف بري واضحة: يرفض تفاهمًا لبنانيًا ـ إسرائيليًا برعاية أميركية باعتباره “مؤامرة وفتنة”، لكنه يرحّب بدور إيراني مباشر في ملف لبناني سيادي، ما يعكس استمرار الصراع بين منطق الدولة ومنطق الوصاية.

وفي السياق نفسه، واصل الخطاب الإيراني كشف نظرته الوقحة إلى لبنان، حيث اعتبر عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني علي رضا سليمي أن المطلوب أن يقاتل “حزب الله” في بيروت والجنوب كي لا تضطر إيران إلى القتال على حدودها، بما يعني، عمليًا، أن يبقى لبنان ممزقًا ومفتوحًا على النار كي تبقى الجمهورية الإسلامية بعيدة عنها.

نداء الوطن

مقالات ذات صلة