🟠العودة إلى نقطة الصفر: فصول المعركة المقبلة!؟

الانسحاب والسلاح وإعادة الإعمار: فصول المعركة المقبلة

 

بين واشنطن وسويسرا، مساران للمفاوضات وخلاف أميركي ـ أميركي، وإسرائيلي ـ أميركي، ولبناني ـ لبناني. وفي جوهر المشهد يقف سؤال واحد: من يملك مفتاح وقف الحرب في لبنان، واشنطن أم طهران أم إسرائيل أم الدولة اللبنانية نفسها؟

تنقسم الولايات المتحدة إلى رأيين: الأول يدفع باتجاه فصل مسار المفاوضات عن إيران ويؤكد ضرورة الخيار المباشر، والثاني يجد في إسلام آباد مخرجًا للأزمة، ولا يمانع منح طهران دورًا في لبنان. ولا تتعلق المشكلة هنا فقط بتباين في الوسائل، بل بتباين في النظرة إلى طبيعة الأزمة اللبنانية نفسها. فهناك من يرى أن الحل يمر حصراً عبر الدولة اللبنانية والتفاوض المباشر، فيما يرى آخرون أن تجاهل الدور الإيراني يجعل أي تسوية ناقصة أو غير قابلة للحياة.

خلاف يفيد إسرائيل

ومن هذا الخلاف الأميركي يستفيد بنيامين نتنياهو ليستكمل حربه على لبنان، متمسكًا بحدود أمنية ومنطقة فاصلة بحجة حماية إسرائيل، ومتمردًا على الجناح الذي سحب منه الضوء الأخضر لضرب لبنان. ولا يبدو نتنياهو في مواجهة لبنان أو إيران فقط، بل في مواجهة جزء من الإدارة الأميركية نفسها، إذ يحاول اختبار حدود سلطة الرئيس دونالد ترامب وفرض وقائع ميدانية جنوب الليطاني قبل أن تنضج أي تسوية إقليمية شاملة.

ويمارس نتنياهو تحديًا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيرفض مقترحات إسلام آباد وسويسرا، ويمضي نحو استفراد لبنان في مفاوضات باتت تشكل عقدة أمام اتفاقَي سويسرا وإسلام آباد، نتيجة تصريحات الدولة اللبنانية التي تسعى إلى تأكيد صوابية خيارها بالمفاوضات المباشرة، ولو على حساب استمرار العدوان الإسرائيلي.

وتصر الدولة على المفاوضات رغم التعنت الإسرائيلي، إذ تريد إسرائيل استمرار الحرب كي لا تخرج إيران منتصرة في لبنان. ورغم فداحة الكلفة، فإن الدولة اللبنانية تصر على مفاوضة عدوها لقطع الطريق على إيران ودورها في لبنان. وربما تكون الدولة اللبنانية محقة في التمسك بالتفاوض، لكنها تخطئ إذا اعتقدت أن التفاوض المباشر وحده يكفي من دون رافعة دولية وإقليمية قادرة على الضغط على إسرائيل وإلزامها بما يتم الاتفاق عليه.

وتكمن المشكلة في أن الدولة اللبنانية تتعامل مع إسرائيل بليونة ومرونة أكبر مما تتعامل مع إيران، وترفض التسليم بأن وقف إطلاق النار أتى نتيجة تفاهمات إسلام آباد، وأن نجاح محاولات إسرائيل المتكررة للانقلاب عليه يعود إلى المفاوضات المباشرة التي تستطيع من خلالها تحقيق ما تريده من شروط مع لبنان. فالمشكلة أن لبنان يفاوض تحت النار، فيما إسرائيل تفاوض بالنار.

وقد عزز فشل المفاوضات في التوصل إلى خطوات مرضية للبنان الشعور بالقلق من نتنياهو، الذي هدد صراحة بالمضي في حربه على لبنان، مؤكدًا أن الوجود الإسرائيلي سيستمر ما دام رئيسًا للحكومة، في إشارة بدت موجهة إلى ترامب ونائبه أكثر مما هي موجهة إلى الدولة اللبنانية.

وكل ما نشهده من مواقف أميركية متعلقة بإيران يدعو إلى القلق، حتى وإن حمل بعض الإشارات الإيجابية. أما نقطة التفاؤل فتتمثل في الموقف الإيراني الذي جزم بأنه لا اتفاق قبل الانسحاب الإسرائيلي. وتسعى طهران إلى الظهور بموقع الضامن للانسحاب لا بموقع الطرف الذي خرج مهزوماً من الساحة اللبنانية، وهو ما يفسر تمسكها بأولوية إنهاء الاحتلال قبل الانتقال إلى الملفات الأخرى.

الانسحاب مقابل السلاح

إلا أن إسرائيل ودولاً عربية تسعى إلى ربط الانسحاب من الجنوب بملف السلاح. ويخشى كثيرون أن يؤدي هذا الربط إلى تحويل السلاح من ملف لبناني يحتاج إلى معالجة سياسية داخلية إلى ذريعة مفتوحة تبرر استمرار الاحتلال الإسرائيلي وتأخير الانسحاب.

ورغم تسارع الخطوات، فإن ثمة ما يدعو إلى الحذر. فداخل الثنائي رأي غير مقتنع بأن الأميركي قد يقدم تنازلات للإيراني بسهولة أو يعترف بالخسارة، أو أن غطرسته قد تنتهي عند باب مضيق هرمز. وتذهب بعض التحليلات إلى أن الجانب الأميركي ربما تعمد الهدنة لإغراق السوق بالنفط ثم العودة إلى ضرب إيران مجددًا، وهو اليوم يحاول جمع معلومات استخباراتية لتحقيق ضربة أكبر، والأمر نفسه ينسحب على إسرائيل. لذلك يسود الخوف والحذر، خصوصًا أن بعض الأصوات لا تزال مرتفعة في لبنان وترفض التسليم بمسار المفاوضات الإيرانية ـ الأميركية بشأن لبنان.

ويُقال إنه عندما طُرح خيار المفاوضات للنقاش، لم يكن السيد مجتبى خامنئي والحرس الثوري متحمسين له، لكنهما منحا المؤيدين فرصة لتجربته.

وفي المقابل، ترى وجهة نظر أخرى أن ترامب يريد أن يظهر بمظهر رجل السلام، لا سيما بعد أن خالف توصية الجيش الأميركي الذي نصحه بعدم الدخول في حرب مع إيران. وهو اليوم لا يجد مصلحة في استكمال الحرب، بل يريد خوض الانتخابات النصفية في أجواء هادئة، ولذلك منح طهران ما لم تكن تحلم بنيله. لكن السؤال يبقى: إلى أي مدى ستؤثر إسرائيل عليه وتحد من اندفاعته نحو إيران، وهل ستتمرد على قراراته المتعلقة بوقف الحرب في لبنان وإنهاء الاحتلال لجزء من الأراضي في الجنوب اللبناني؟

ويعتقد أصحاب الرأي الأول أن الأمور قد تعود في أي لحظة إلى نقطة الصفر، فتضرب الولايات المتحدة إيران لسبب ما، وتضرب إسرائيل الجنوب مجددًا. ومع إسرائيل يبدو كل شيء واردًا.

ورغم ذلك، تبقى الأنظار متجهة إلى سويسرا وإسلام آباد اللتين يُفترض أن تفرضا على إسرائيل وقف إطلاق النار، كما ستفرضان صيغة للميكانيزم السياسي الجديد، الذي يضم إيران وباكستان والولايات المتحدة وقطر ضمن خلية لعدم الاحتكاك، قد تواجه صعوبات في عملها.

وهذا ما عبّرت عنه مصادر الثنائي التي تعوّل على إيران وتخفف من أهمية حديث نتنياهو.

وهناك رأي يقول إن الولايات المتحدة تسرعت عندما أخرجت قوات اليونيفيل من المعادلة، لكنها عادت لتطرح الميكانيزم الجديد كبديل. غير أن أي ميكانيزم سياسي جديد سيصطدم بسؤال عملي: من هي الجهة القادرة على مراقبة التنفيذ ميدانياً؟ فالقوات الدولية الموجودة على الأرض لا يمكن استبدالها بسهولة بلجان سياسية أو غرف تنسيق بعيدة عن خطوط التماس.

لكن مرجعية برلمانية توقعت أن يتم التمديد لليونيفيل مجدداً بالنظر إلى صعوبة إيجاد البديل.

ويشبه مصدر في الثنائي فكرة المناطق التجريبية بطفل الأنبوب، ويؤكد أن الحرب ستنتهي، وربما تكون الأخيرة. وبحسب ما أُبلغ رئيس مجلس النواب من تطمينات إيرانية، فإن مسار سويسرا سيحقق انسحابًا كاملًا، ويجب أن يتسلم الجيش اللبناني أي نقطة يخليها الاحتلال جنوب الليطاني، بمشاركة قوات اليونيفيل التي يُتوقع التمديد لها مجددًا.

واستغربت المصادر ما نُقل إليها من أن وقف إطلاق النار جاء نتيجة مفاوضات إسلام آباد، لترد بالقول: «لا، لم تأتِ به تلك المفاوضات، بل تهديد الدولة بإقفال نهر الكلب».

والموضوع لم ينته عند حدود وقف إطلاق النار والانسحاب الذي سيستغرق وقتاً، بل سيشمل خضات كثيرة داخلية متصلة بنقاط عدة ليس أقلها ملف إعادة الإعمار، حيث تشير معلومات إلى أن الولايات المتحدة ستكون الجهة المراقبة لكل ما يتعلق بإعادة الإعمار في الجنوب، وستشرف مباشرة على مشاريع البنى التحتية، وهو ما يربك الشركات الأوروبية الراغبة في أن تكون شريكًا في عملية الإعمار.

ولا يبدو أن الإشراف الأميركي على إعادة الإعمار سيكون مسألة تقنية أو مالية فحسب، بل جزءاً من هندسة مرحلة ما بعد الحرب، حيث يتداخل التمويل بالسياسة، وتتحول عملية الإعمار إلى عنصر من عناصر رسم التوازنات الجديدة في الجنوب اللبناني.

وفي المحصلة، لا يبدو لبنان أمام اتفاق واحد، بل أمام تقاطع اتفاقات متزاحمة. سويسرا وإسلام آباد وواشنطن ليست عناوين جغرافية فحسب، بل خرائط نفوذ تتنازع مستقبل الجنوب ودور الدولة وحدود النفوذ الإيراني وحسابات إسرائيل. لذلك لا يكفي أن يراهن لبنان على مسار واحد، ولا أن يكتفي بحسن النوايا الأميركية أو بالتطمينات الإيرانية. المطلوب موقف لبناني موحد يربط وقف النار بالانسحاب الكامل، ويرفض تحويل السلاح إلى ذريعة للاحتلال، كما يرفض تحويل لبنان إلى ورقة في يد أي محور. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط كيف تنتهي الحرب، بل من يكتب شروط نهايتها.

غادة حلاوي- المدن

مقالات ذات صلة