🟠مسار صعب وشاق: بري حذر ويتريث!

كأن إسرائيل لم تسمع بتوقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية وايران، ولم تصلها أصداء ڤرساي. لم يكن وقف الحرب الأميركية – الإيرانية كافياً للجمها ولوقف النار في الجنوب اللبناني. فالغارات الإسرائيلية استمرت، والخروقات تواصلت، وكأن تل أبيب تريد أن تتجاهل عمدًا نتائج إسلام آباد، أو أنها على الأقل تريد إعادة التفاوض على هذه النتائج بالنار قبل السياسة.
منذ الإعلان عن الاتفاق، برزت في لبنان والمنطقة قراءتان مختلفتان لما يجري. الأولى ترى أن الاتفاق فتح مساراً جديداً في الشرق الأوسط وأن لبنان سيكون أحد المستفيدين منه حكماً، أما الثانية فتعتقد أن الطريق لا يزال طويلاً وأن إسرائيل ستبذل كل ما تستطيع لتوتير العلاقة بين ايران وامريكا لتمنع ترجمة الاتفاق إلى وقائع سياسية وأمنية في لبنان .
في واشنطن نفسها لا يبدو المشهد موحداً تماماً. فثمة من يدفع باتجاه تثبيت نتائج التفاهم الأميركي – الإيراني وتحصينها، فيما تعطي جهات أخرى الأولوية للمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل باعتبارها المدخل الفعلي لأي ترتيبات طويلة الأمد على الحدود الجنوبية.
وتتردد في الأوساط السياسية معلومات عن تباينات داخل الإدارة الأميركية حول الملف اللبناني. فوزير الخارجية ماركو روبيو يبدو من أبرز الداعمين لمسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، ليس فقط لتحقيق تقدم على الحدود الجنوبية، بل أيضاً لتكريس مسار سياسي مستقل عن التفاهم مع إيران، وسحب الملف اللبناني من دائرة التأثير الإيراني المباشر.
هذه الازدواجية الأميركية تجد صداها داخل لبنان نفسه. ففي مقابل رهان رسمي يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على نجاح المفاوضات المباشرة باعتبارها فرصة لإنهاء الاحتلال وتثبيت وقف إطلاق النار وإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية، يقف فريق آخر يعتبر أن أي فصل بين الملف اللبناني والاتفاق الأميركي – الإيراني يشكل مغامرة سياسية قد تمنح إسرائيل فرصة للحصول على تنازلات لم تستطع انتزاعها بالحرب.
ولعل المفارقة الأساسية أن لبنان يفاوض فيما لا يزال يتعرض للقصف. فحتى الآن لم يحصل على وقف نار مستقر، ولم تنسحب إسرائيل من الأراضي التي لا تزال تحتلها، ومع ذلك تتقدم التحضيرات لمفاوضات مباشرة ولمسودة اتفاق أمني يجري إعدادها بعيداً من الأضواء.
وبحسب المعطيات المتوافرة، تتناول المسودة المناطق التي يفترض أن تنسحب منها إسرائيل، وآلية الانتشار اللاحقة للجيش اللبناني، ودور قوات المراقبة، سواء عبر اليونيفيل أو عبر آلية الميكانيزم المعتمدة حالياً. كما تتضمن نقاشاً حول فكرة كان طرحها رئيس مجلس النواب نبيه بري تقضي بأن يشمل الانسحاب قضاءً كاملاً لا مجرد نقاط محددة ومعزولة.
مسار صعب وشاق
غير أن الطريق لا يبدو سهلاً. فإسرائيل، وفق مصادر مطلعة، تعرض انسحاباً مرحلياً حتى الخط الأصفر، فيما تريد تأجيل المراحل التالية إلى تفاهمات أمنية وسياسية لاحقة. وهو ما يثير خشية لبنانية من أن يتحول الانسحاب إلى عملية طويلة ومفتوحة زمنياً، تستخدمها إسرائيل ورقة ضغط دائمة.
في المقابل، يقرأ حزب الله المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فالحزب يعتبر أن حكومة بنيامين نتنياهو خرجت من الحرب من دون الإنجازات التي وعدت بها جمهورها، وأنها لم تتمكن من تحقيق حسم عسكري أو سياسي واضح. كما يرى أن الاتفاق الأميركي – الإيراني لم يأتِ منسجماً بالكامل مع الرؤية الإسرائيلية، الأمر الذي يفسر استمرار محاولات تل أبيب تعطيله أو الالتفاف عليه.
وتذهب أوساط الحزب أبعد من ذلك، معتبرة أن الرهانات التي سادت في بداية الحرب على سقوط إيران أو انهيار قدرات حزب الله العسكرية لم تتحقق، وأن التطورات الميدانية، ولا سيما استخدام المسيّرات بصورة واسعة، فرضت معادلات جديدة دفعت إسرائيل إلى خفض سقف أهدافها تدريجياً وإعادة تعريف ما تعتبره إنجازاً ممكناً.
بري والحذر
وفي قلب هذا المشهد يقف الرئيس نبيه بري في موقع المترقب الحذر. فبحسب معلومات متقاطعة، يفضل بري عدم إعلان موقف نهائي من الاتفاق أو من المسار التفاوضي قبل الحصول على ضمانات أميركية واضحة بأن إسرائيل ستلتزم فعلياً بما قد يتم الاتفاق عليه. وهو حذر يستند إلى تجربة طويلة مع تفاهمات واتفاقات سابقة اصطدمت مراراً بالإرادة الإسرائيلية.
ما يجري اليوم يتجاوز بكثير مسألة الانسحاب من تلة أو موقع أو نقطة حدودية. إنه صراع على هوية المرحلة المقبلة في المنطقة. إسرائيل تحاول تحسين شروطها قبل التسليم بالوقائع الجديدة. وإيران تسعى إلى تثبيت ما تعتبره مكاسب سياسية واستراتيجية نتجت عن الاتفاق. والولايات المتحدة تحاول إدارة التوازن بين الطرفين من دون خسارة أي منهما.
أما لبنان، فيجد نفسه مرة جديدة عند تقاطع المسارات كلها. فهو يتفاوض مع إسرائيل، ويراقب التفاهم الأميركي – الإيراني، وينتظر الضمانات الأميركية، فيما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يتمكن هذه المرة من تحويل التحولات الإقليمية إلى مكسب وطني حقيقي، أم يعود مجدداً إلى موقع الساحة التي تُدار عليها الصراعات بدل أن تكون شريكاً في صنع التسويات؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يواجهه لبنان في المرحلة المقبلة، لا شكل المفاوضات فقط، بل قدرته على ألا يكون مجرد بند على طاولة الآخرين.
غادة حلاوي- المدن



