🟠بعبدا تراجع حساباتها: أسئلة حول خلفيات الحركة الأميركية الجديدة…واشنطن تفاوض “الآخرين”!؟

حتى هذه اللحظة، حُسمت مشاركة لبنان في جولة المفاوضات المقبلة المقررة في 22 الجاري في واشنطن. وبحسب معلومات “المدن”، أبلغ لبنان رسمياً مشاركته. ما لم يُحسم بعد، هو المشاركة الإسرائيلية وطبيعتها. ويعود ذلك إلى معلومات وصلت إلى بيروت تفيد بأن تل أبيب لم تكن قد أكدت، حتى مساء الأربعاء الماضي، مشاركتها في الجولة المرتقبة.

يأتي إصرار بعبدا على المشاركة في جلسات واشنطن التفاوضية المباشرة في إطار قطع الطريق على أي محاولة إسرائيلية لتحميل لبنان مسؤولية فشل المسار التفاوضي برمته. ويوحي ذلك بوجود معطيات لدى الرئاسة تدعم التكهّنات حول عدم جديّة إسرائيل في مسار التفاوض مع لبنان، واحتمال ذهابها نحو تعطيله واستغلال ذلك لتبرير رفع وتيرة التصعيد. لذلك، تصرُّ بعبدا على توجيه رسائل واضحة ومباشرة بأن مشاركتها محسومة. ولترجمة هذا الموقف عملياً، دعا رئيس الجمهورية جوزاف عون، أمس، قائد الجيش العماد رودولف هيكل ورئيس الوفد المفاوض سيمون كرم إلى اجتماع تحضيري في القصر الجمهوري.

بالتزامن، كان كرم، بالتنسيق مع بعبدا، يُطلق مواقف حاسمة بشأن التفاوض خلال لقاءٍ جمعه بمجموعة من الصحافيين في منزله قبل ليلتين. وأكد كرم أمامهم أن إسرائيل غير جادة في التفاوض، ولا ترغب في منح لبنان أيَّ مقابل، بل إنّها تعمل على إفشال المسار برمته، وتبحث في إمكان تجميد مشاركتها في اجتماعات واشنطن.

وزادت التسريبات الإسرائيلية المُنظَّمة من احتمالات عدم المشاركة، بعد أن جرى الترويج لكون تل أبيب ما زالت تدرس جدوى حضور الجولة المقبلة في ضوء نتائج الاجتماع السابق. وقد استُقبلت هذه التسريبات في بيروت باستياءٍ عارم عبَّرَ عنه موقف عون أمس، لا سيما وأن الحكم يعتبر أنه قدَّم التزامات تجاه الاتفاق مع إسرائيل تفوق ما قدّمته إسرائيل نفسها، رغم أنها الدولة المعتدية والمحتلة لجزء من الأراضي اللبنانية.

لكن لماذا تلوّح إسرائيل بعدم المشاركة في الجولة المقبلة؟ الجواب، وفق القراءة اللبنانية، لا يكمن في تل أبيب بل في بيروت، أو هكذا تريد إسرائيل أن تُظهر الأمر. فهي تقول إنها انتظرت من لبنان جواباً على الصيغة التي تم التوصل إليها خلال الجولة السابقة، فجاءها الرد عبر موقف الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم الرافض لتلك الصيغة ولآلية تطبيقها.

وفي حال قررت إسرائيل عدم المشاركة، فإن الهدف الأساسي سيكون نقل المشكلة إلى الداخل اللبناني. فهي تسعى إلى استثمار أي مقاطعة محتملة لجلسات التفاوض لإثارة خلاف لبناني ـ لبناني حول الجهة المسؤولة عن عرقلة المسار التفاوضي، وعن أي تصعيد قد يرافقه. وفي هذه النقطة تحديداً، تراهن إسرائيل على تحميل الحكومة اللبنانية المسؤولية، مع مواصلة الضغط العسكري عبر الغارات والقصف، والعودة إلى ترويج مقولة إن حزب الله هو من يسيطر فعلياً على الدولة اللبنانية.

وفي سياق متصل، يبدو أن رئيس الجمهورية جوزاف عون استكمل خلال الأيام الأخيرة تحوّلاً في مقاربته السياسية. ففي موقف عُدّ خارج السياق، لمَّح أمس في تصريحات صحافية إلى احتمال فشل المفاوضات، محمِّلاً إسرائيل مسؤولية ذلك بسبب تعنتها وعدم طرحها أية خطة واضحة. كما رفض القراءة الإسرائيلية لـ”إعلان واشنطن”، نافياً أن يكون قد منح إسرائيل حرية حركةٍ مفتوحة، ومؤكداً أن الإعلان يضمن حق الطرفين في الدفاع عن النفس.

وتشير المعطيات إلى أن عون بدأ يتخذ سلسلة مواقف لا تنطلق بالضرورة من تقاطعٍ مع رؤية حزب الله أو من محاولة لمغازلته سياسياً، بل من اقتناع متزايد بأنه قدّم تقريباً كل ما يمكن تقديمه لإنجاح المسار التفاوضي، من دون أن تبادر إسرائيل إلى تقديم أيّ مقابل. وهذا الانطباع تعزّز لديه، بحسب مصادر مطلعة، من خلال اتصالاته مع الجانب الأميركي.

وتقول هذه المصادر إن السفير الأميركي في بيروت أبلغه أن إسرائيل أبلغت واشنطن أنها ليست في وارد وقف إطلاق النار في المرحلة الحاليّة، ولا تقديم أيّ جدول زمني للانسحاب، بل ذهبت نحو مزيد من التصعيد الذي طال مُدناً مثل صور والنبطية، ووصل إلى حدِّ استهداف الجيش اللبناني واغتيال عدد من عناصره.

ثمة سبب آخر لهذا التحول في موقف عون. فالرئيس بات يعتقد أن الأميركيين والإسرائيليين لا يريدون فقط الحصول على تنازلات من الدولة اللبنانية من دون تقديم مقابل، بل يسعون أيضاً إلى استخدام هذه التنازلات كورقة تفاوض مع حزب الله نفسه.

غير أن المفاجأة جاءت عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عن وجود تواصل مع حزب الله، بصرف النظر عن القناة التي يتم عبرها هذا التواصل. كما أوعز إلى سفيره في بيروت، ميشال عيسى، بحَمل ما تمَّ التوصل إليه في إعلان واشنطن وبدء نقاشه مع الرئيس بري المعترض عليه، ومن خلاله مع حزب الله. ولم تكن إشارات عيسى الإيجابية تجاه الحزب والبيئة الشيعية، من مدخل عين التينة، مجرد صدفة، بحسب مصادر متابعة، بل جاءت في إطار توجه سياسي أوسع، حتى لو لم يكن يعكس بالضرورة قناعاته الشخصية.

هذه التطورات دفعت الرئاسة إلى التحرك بوضوح، والبدء بطرح أسئلة حول خلفيات الحركة الأميركية الجديدة وما الذي تهدف إليه. وبرز شعور داخل دوائر الرئاسة بأن بعبدا استُخدمت للوصول إلى تفاهم معين، قبل أن يُصار إلى توظيف هذا التفاهم في التفاوض مع أطراف أخرى. وهو ما شكّل صدمة لرئاسة كانت تعتبر نفسها الشريك الرئيسي في التفاوض، فيما كان حزب الله يُنظر إليه على أنه طرف معزول سياسياً.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن استيعاب الرئاسة لما جرى احتاج إلى أيام عدة، قبل أن يبدأ مستشارون رئاسيون التواصل مع عدد من السفراء. بعض هذه الاتصالات هدفت إلى الاستفسار عمّا إذا كان هناك تطور في المسار الأميركي ـ الإيراني يفسر هذا التحول في المقاربة الأميركية تجاه حزب الله، وما إذا كانت واشنطن قد اقتنعت بدمج المسارين الأميركي والإيراني في لبنان لإنتاج صيغة تسوية هجينة. كما جرى التساؤل عمّا إذا كانت تفاهمات معينة قد أُنجزت حول لبنان.

أما الثابت حتى الآن، فهو أن احتمالات التوصل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني لا تزال قائمة. غير أن العقدة الأساسية تبقى في لبنان. وتتمثل المخاوف، لدى عدد من القوى السياسية والرئاستين الأولى والثالثة، في أن يتحوَّل لبنان إلى نسخة مشابهة لتخلي الولايات المتحدة عن حليفها “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، وأن يأتي أي تفاهم أميركي ـ إيراني مستقبلي على حسابها.

المدن

مقالات ذات صلة