🟠كيف أُجهضت وفشلت أفضل فرصة للبنان لنزع سلاح «الحزب»؟

في مطلع هذا العام، بدا أنّ قادة لبنان يقتربون من أحد أكثر أهدافهم استعصاءً: نزع سلاح «حزب الله»، الميليشيا القوية المدعومة من إيران، والتي لطالما عملت كدولة داخل الدولة. لكنّ هذا المسعى، الذي كان متردِّداً وتدريجياً منذ بدايته، قد تعثر الآن. فبعد أكثر من عام من التزامه إلى حدّ كبير بضبط النفس، على رغم من الضربات الإسرائيلية القادمة عبر الحدود، عاد «حزب الله» ليظهر مجدّداً كطرف قتالي رئيسي. ففي آذار، وبعد أن بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب مع إيران، شرع «حزب الله» في شنّ هجمات عبر الحدود على إسرائيل تضامناً مع الجهة الراعية له، وقد أسفرت هذه الهجمات عن مقتل عدد من الجنود الإسرائيليّين.

والآن، يجد لبنان نفسه عالقاً في وضع مألوف. فقد كثفت إسرائيل حملتها العسكرية ضدّ «حزب الله»، ما جعل احتمال تخلّي الجماعة عن سلاحها أقل ترجيحاً. وفي المقابل، تراجعت الحكومة اللبنانية، المتوجّسة من استمرار قوّة «حزب الله» والمثقلة بذكريات الحرب الأهلية، عن فكرة مصادرة ترسانته بالقوّة، على رغم من الضغوط الغربية التي تدفعها إلى القيام بذلك.

أمس، أعلنت الحكومة الإسرائيلية خططاً لقصف الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما أعلن «حزب الله» تنفيذ هجمات جديدة ضدّ جنود ومجتمعات إسرائيلية، في انعكاس لحقيقة أنّ وقف إطلاق النار الذي أعلنت عنه إدارة ترامب في نيسان بات موجوداً بشكل متزايد على الورق فقط.

ومع نزوح مئات الآلاف بسبب القتال واحتلال إسرائيل أجزاء من جنوب لبنان، يخشى كثير من اللبنانيّين أن يؤدّي أي صراع بين الحكومة و»حزب الله» إلى تعميق اضطرابات البلاد وإعادة فتح جراح الماضي.

وأوضح هايكو فيمن، مدير مشروع لبنان في المنظمة البحثية International Crisis Group: «إنّ أي عملية قسرية أو تصادمية ينفّذها الجيش ستكون معقّدة، لأنّها ستتطلّب قراراً لا يحظى بالإجماع، وهو أمر يتعارض إلى حدّ كبير مع طبيعة السياسة اللبنانية».

وهناك عقبة أخرى تتمثل في إيران نفسها. فعلى الرغم من تعرّضها لضربات موجعة في حربَين مع إسرائيل والولايات المتحدة خلال أقل من عام، لا يزال حُكام إيران الدينيّون السلطَويّون متمسكين بقوّة بالسلطة. ويرى محلّلون أنّ «حزب الله» من غير المرجّح أن يتخلّى عن أسلحته، ما لم يتعرّض النفوذ الإقليمي الإيراني وقدرته على إسقاط القوّة لتقييد فعلي نتيجة الحرب.

وأوضحت لينا خطيب، الباحثة في مبادرة الشرق الأوسط التابعة لـ Harvard Kennedy School: «سيتعيّن على لبنان انتظار التغيير في طهران قبل أن يتمكن من طَي صفحة تحدّي «حزب الله» للمصلحة الوطنية اللبنانية».

نافذة فُتحت لفترة وجيزة

أدّت سلسلة الحروب في الشرق الأوسط التي بدأت بهجوم السابع من تشرين الأول 2023 الذي قادته «حماس» ضدّ إسرائيل، إلى إضعاف حلفاء إيران الإقليميّين جميعاً، ومن بينهم «حزب الله»، الأقوى بينهم.

وخلال السنوات الثلاث الماضية، خاضت إسرائيل و»حزب الله» حربَين. وعندما أوقف وقف إطلاق نار مدعوم من الولايات المتحدة الحرب الأولى في أواخر عام 2024، رأت حكومات غربية وشرق أوسطية، بما فيها الحكومة اللبنانية، فرصة نادرة للسعي أخيراً إلى نزع سلاح «حزب الله».

وكان اتفاق الهدنة ينص على أن تسلِّم الجماعة أسلحتها تدريجياً، ولا سيما جنوب نهر الليطاني، مقابل إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان.

وبدا أنّ الفكرة اكتسبت زخماً بعد تولّي رئيس جديد ورئيس وزراء جديد مهامهما في لبنان مطلع عام 2025، مع تعهُّد بإعطاء أولوية لنزع سلاح «حزب الله». وفي آب الماضي، وجّهت حكومة رئيس الوزراء نواف سلام الجيش إلى إعداد خطة لتفكيك ترسانة «حزب الله» بحلول نهاية العام.

وأثناء مراجعة مجلس الوزراء لتلك الخطة في أيلول، انسحب الوزراء المتحالفون مع «حزب الله» من الجلسة، مكرّرين الحجة التي كثيراً ما يطرحها الحزب بأنّ نزع سلاحه سيجعل لبنان عرضة لإسرائيل.

ومع ذلك، استمرّت العملية. فقد عقد مسؤولون إسرائيليّون ولبنانيّون محادثات منتظمة في قاعدة تابعة للأمم المتحدة في جنوب لبنان، بوساطة الولايات المتحدة، لمناقشة التقدُّم المحرز في ملف نزع السلاح. وفي تشرين الأول، أعلنت القيادة المركزية الأميركية، أنّ الجيش اللبناني أزال ما يقرب من 10 آلاف صاروخ ونحو 400 قذيفة صاروخية من الجنوب خلال العام السابق. وفي كانون الثاني، أعلن الجيش أنّه أنجز المرحلة الأولى من إزالة أسلحة «حزب الله» من المنطقة الواقعة بين الليطاني والحدود الإسرائيلية. ووصفت إسرائيل ذلك بأنّه «بداية مشجعة» لكنّها «بعيدة كل البُعد عن أن تكون كافية».

فرصة أُجهضت

توقف كل ذلك التقدُّم في 28 شباط، عندما هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران. وخلال أيام، أطلق «حزب الله» النار على إسرائيل رداً على ذلك، مظهراً أنّه لا يزال يمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والأسلحة المضادة للدروع. وبدا مقاتلوه أكثر مرونة، إذ هاجموا القوات الإسرائيلية بطائرات مسيّرة متفجّرة جديدة يَصعب اعتراضها.

وردّت إسرائيل بهجوم ألحق دماراً واسعاً بجنوب لبنان، وقتل مدنيّين ووضع أراضي لبنانية تحت سيطرتها. لكنّه لم يفعل الكثير لإضعاف تصميم «حزب الله»، الذي يصرّ على أنّه لن يتخلّى عن أسلحته.

وأوضح المتحدث باسم «حزب الله»، الحاج يوسف الزين، للصحافيِّين في أيار: «لقد فوجئ الإسرائيليّون. وفوجئ الأميركيّون. وفوجئ العالم بأسره بقدرات المقاومة». وقد وضع هذا المأزق الحكومة اللبنانية في موقف صعب. ففي آذار، منعت «حزب الله» من الانخراط في أي نشاط عسكري، وهو قرار ثَبُتَ أنّه بلا فعالية، وهي تواجه الآن ضغوطاً متزايدة للجمه بصورة أكثر فاعلية.

وأكّدت الخطيب: «لقد احتكر «حزب الله» الصوت السياسي للطائفة الشيعية، ويُلبس الانتقادات الموجّهة إلى الميليشيا لبوساً طائفياً. وهذا يجعل من الصعب على الدولة اللبنانية مواجهته، حتى بعد أن اعتبرت الحكومة اللبنانية أنّ أعماله العسكرية غير قانونية».

وقبل اندلاع الحرب الحالية، كان الجيش اللبناني متردِّداً في مداهمة المنازل الخاصة والمباني الأخرى في الجنوب، حيث كان يُشتبه بوجود أسلحة للحزب مخبأة فيها، بحسب قادة إسرائيليّين ومسؤول أممي.

ويعتقد خبراء، أنّ مثل هذه المداهمات قد تؤدّي إلى تصاعد التوترات، لأنّها تستحضر ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية المؤلمة التي استمرّت 15 عاماً. وقد أشار الرئيس سلام مراراً إلى اتفاق الطائف لعام 1989، الذي أنهى الحرب، ودعا إلى نزع سلاح الميليشيات العديدة في البلاد: «لذلك نحن متأخّرون أكثر من 30 عاماً» في نزع سلاح جماعات مثل «حزب الله».

وتتمثل عقبة أخرى أمام نزع السلاح في رغبة لبنان بربط هذه العملية بانسحاب إسرائيل من الجنوب. وأوضح ديفيد شينكر، المسؤول السابق الرفيع في وزارة الخارجية الأميركية: «إذا كانت الحكومة اللبنانية ستتخذ بالفعل خطوات حقيقية، فإنّها ستريد أن تكون قادرة على إظهار شيء للسكان، وأنّها تحصل على مقابل لذلك».

«لحظة الحقيقة»

يشكّل نزع سلاح «حزب الله» محور المحادثات التي تتوسط فيها الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان، وهي عملية ديبلوماسية نادرة ندَّد بها كل من «حزب الله» وإيران.

وقد طرح مسؤولون عرب وغربيّون، إلى جانب محلّلين إقليميّين، خططاً مختلفة. ومن بينها مقترحات لإنشاء لجنة دولية مستقلة، على غرار عملية المصالحة في إيرلندا الشمالية، للإشراف على نزع السلاح الكامل.

وفي نيسان، أعلن ماركو روبيو، أنّ الولايات المتحدة تعمل على تمكين «وحدات مدققة» داخل الجيش اللبناني من استهداف «حزب الله حتى لا تضطر إسرائيل إلى القيام بذلك». كما اقترح آخرون استخدام التمويل الأجنبي كورقة ضغط لدفع الحكومة اللبنانية نحو المضي في نزع السلاح.

ويبدو أنّ مواجهة «حزب الله» تتطلّب إعادة هيكلة واسعة للجيش اللبناني، الذي يفتقر إلى العدد الكافي من الأفراد والمعدات والتدريب، وليس من الواضح مَن سيتحمّل تكلفة ذلك. كما أنّ دول الخليج التي قد تدعم مثل هذا المشروع أرهقتها الحرب الإقليمية، فيما لم ينفّذ لبنان الإصلاحات المالية المطلوبة للحصول على مساعدات مالية دولية.

واعتبر هايكو فيمن، من مجموعة الأزمات الدولية، أنّ «لبنان يواجه لحظة الحقيقة. وما إذا كان سيؤجّل أو يؤخّر حل مسألة نزع السلاح، أو الطريقة التي سيتعامل بها معها، سيحدِّد ما سيأتي لاحقاً بالنسبة للبلاد».

عبدي لطيف ضاهر وآرون بوكسرمان- نيويورك تايمز

مقالات ذات صلة