🟠صدامٌ أميركي- صينيّ: قراصنة صينيّون وجواسيس وعقوبات وهجمات سيبرانية!

صدرت التعليمات من البيت الأبيض إلى كبار المسؤولين الأميركيّين قبل أشهر من وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين يوم الأربعاء: تجنّبوا المواجهات غير الضرورية مع الصين، كبيرة كانت أم صغيرة، والتي قد تعرقل مسعى ترامب للتقارب مع أكبر منافس عسكري واقتصادي وتكنولوجي للولايات المتحدة. لكنّ الأمور لم تسر على هذا النحو.
فعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، فرضت وزارة الخزانة عقوبات جديدة على شركات صينية، ادّعت إنّها زوَّدت إيران ببيانات استهداف، مكّنتها من تنفيذ ضربات على قواعد في أنحاء الشرق الأوسط، تسبَّبت بأضرار بلغت مليارات الدولارات للمنشآت الأميركية. كما اتهم البيت الأبيض الصين بسرقة نماذج الذكاء الاصطناعي من شركات التكنولوجيا الأميركية. وخلال هذا الأسبوع، وجّه مدّعون فدراليون الاتهام إلى رئيسة بلدية في كاليفورنيا بالعمل بصورة غير قانونية لصالح بكين.
13 مليار دولار مساعدات عسكرية لتايوان
وشملت الإجراءات أيضاً مستوردي نفط متوسطي الحجم في الصين، بسبب شرائهم النفط الإيراني سراً. أمّا الخطوة الكبيرة الوحيدة التي أرجأتها الإدارة، فكانت الموافقة النهائية على حزمة مساعدات عسكرية لتايوان بقيمة 13 مليار دولار، صمّمها البيت الأبيض، لكنّه لن ينفّذها قبل عودة ترامب، ما يمنح الرئيس شي جين بينغ وقتاً للتعبير عن اعتراضاته.
«قائد عظيم. يشرَّفني أن أكون صديقك»
وليس واضحاً سبب هذا السيل المفاجئ من الإجراءات المتعلقة بالصين، باستثناء حقيقة أنّ إدارة ترامب أمضت قرابة عام ونصف العام في السلطة. وهي فترة كافية ليجمع الصقور المناهضون للصين الذين عيّنهم ترامب، الأدلّة ويبنون ملفاتهم. وأحياناً، يعني ذلك إجبار الرئيس على رؤية الأدلة المتعلّقة بإجراءات تقودها الصين بهدف تقويض الولايات المتحدة أو حلفائها، حتى وإن كانت غريزته الأولى تتمثل في الحديث عن «العلاقة الجيدة» التي تربطه بشي، والإيحاء على ما يبدو بأنّ كل شيء قد يُغفر.
وفي الواقع، اعتمد ترامب نبرة تصالحية إلى حدّ كبير، معتبراً أنّ شي «قائد عظيم. يشرَّفني أن أكون صديقك». ومن جهته، حذّر شي ترامب من أنّ «صراعات» قد تنشأ بين القوّتَين العظميَين بسبب قضية تايوان.
ولا يرجّح بعض الخبراء أن تكون إدارة ترامب تحاول كسب أوراق ضغط على الصين خلال المحادثات، عبر سيل الإجراءات الصارمة، لأنّ كثيراً منها لم يتجاوز مستوى الاتهامات التي تنفيها بكين بسهولة. وبدلاً من ذلك، قد يكون كبار المسؤولين يستغلّون فرصة يرونها سانحة لتسليط الضوء على التوترات مع الصين بشأن إيران والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وتذكير الرئيس بأنّ بكين، بالإضافة إلى كونها تمثل أكبر تهديد جيوسياسي للولايات المتحدة، لم تقرّر بعد أن تبدأ بالتصرُّف بوِد.
القراصنة الصينيّون يخترقون أنظمة الحكومة الأميركية والشركات
فعلى سبيل المثال، كانت شركات صينية تناقش صفقات أسلحة مع إيران، وتخطّط لإرسال تلك الأسلحة عبر دول أخرى، لإخفاء مصدر المساعدات العسكرية. لكنّ حرب إيران ليست سوى أحدث مصدر إزعاج لمسؤولي الأمن القومي الأميركيِّين. فما زال القراصنة الصينيّون يخترقون أنظمة الحكومة الأميركية والشركات من دون أن يواجهوا تبعات تُذكر. وقد حدَّد مكتب التحقيقات الفدرالي أخيراً ما يعتقد أنّهم قراصنة صينيّون داخل قاعدة بيانات يحتفظ بها بشأن أوامر المراقبة الداخلية. وكان هذا الاكتشاف مقلقاً، لأنّ بكين بدت وكأنّها تبني على نجاحها السابق في اختراق الشبكات الداخلية للمكتب عبر تكرار الأمر مجدّداً.
وترى إليزابيث إيكونومي، الباحثة البارزة في مؤسسة هوفر بجامعة ستانفورد والمستشارة السابقة لشؤون الصين في وزارة التجارة خلال إدارة بايدن: «إنّ المسؤولين المتشدّدين يدفعون في الاتجاهات التي يعتقدون أنّ الباب مفتوح فيها إلى أقصى حدّ قبل القمة مباشرة».
وفي أواخر نيسان، ومع تصاعد المخاوف سريعاً في كل من واشنطن ووادي السيليكون بشأن التهديدات التي تمثلها الاختراقات المتقدّمة في مجال الذكاء الاصطناعي، نشر البيت الأبيض مذكّرة كتبها مايكل كراتسيوس، مستشار الرئيس لشؤون العلوم والتكنولوجيا، اتهم فيها الصين بـ»استغلال الخبرة والابتكار الأميركيَّين» عبر سرقة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المملوكة لبناء نماذجها الخاصة.
وكتب كراتسيوس: «تنخرط جهات أجنبية مقرّها الأساسي في الصين، في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي، لتقطير أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدّمة». ويُستخدم مصطلح «التقطير» لوصف تدريب نماذج ذكاء اصطناعي أصغر حجماً بالاعتماد على نماذج أكبر وأكثر كلفة لتحقيق قدرات مماثلة.
تكتيكات متطوَّرة لقراصنة ترعاهم الدولة
وفي نيسان أيضاً، سلّطت نشرة أميركية للأمن السيبراني، صدرت بالتعاون مع وكالات أمنية في بريطانيا واليابان ودول حليفة أخرى، الضوء على التكتيكات المتطوَّرة لقراصنة ترعاهم الدولة الصينية، يعتمدون على شبكات ضخمة من الأجهزة المخترقة للقيام بالتجسس الإلكتروني واستهداف أنظمة البنية التحتية الحيوية الضعيفة. وجاء التحذير بعد فترة طويلة، نادراً ما سلّطت خلالها الوكالات الأميركية الضوء على التهديدات السيبرانية الصينية، على رغم من أنّ القراصنة الصينيِّين اخترقوا مرّة أخرى شبكة داخلية حساسة في مكتب التحقيقات الفدرالي، تخزّن معلومات عن أهداف المراقبة التابعة للمكتب.
وفي مثال آخر، يعود إلى أواخر آذار، أصدرت لجنة الاتصالات الفدرالية أمراً بحظر استيراد أجهزة التوجيه الاستهلاكية الجديدة المصنّعة في الخارج، مستشهدةً بمخاطر أمن سيبراني، مع استثناء الأجهزة الموجودة حالياً. وبعض أكثر أجهزة التوجيه مبيعاً في الولايات المتحدة تُصنع في الصين، بما في ذلك تلك التي تنتجها شركة TP-Link، أكبر منتج لأجهزة التوجيه الخاصة بالمستهلكين والشركات الصغيرة في الولايات المتحدة. وكانت الإجراءات ضدّ TP-Link، التي تأسست في الصين، لكنّها تمتلك وحدة أعمال في كاليفورنيا، مسؤولة عن العمليات الدولية، موضع نقاش طويل بين مسؤولين أميركيّين في وكالات عدة، لكنّها بقيت معلّقة لأشهر عديدة إلى أن صدر أمر لجنة الاتصالات الفدرالية.
الأسبوع الماضي، فرضت وزارة الخارجية عقوبات على شركات صينية عدة بسبب تزويدها إيران بصور أقمار اصطناعية ساعدت طهران في هجماتها ضدّ القوات الأميركية في الشرق الأوسط.
ويوم الاثنين، أعلن مدّعون فدراليون، أنهم وجّهوا الاتهام إلى إيلين وانغ، رئيسة بلدية أركاديا في كاليفورنيا، بالعمل كعميلة غير قانونية للحكومة الصينية. وكشفت اتفاقية إقرار بالذنب رُفعت عنها السرّية، أنّ وانغ ستقرّ بالذنب في التهمة.
وجاءت هذه الموجة من الإجراءات المتعلّقة بالصين، بعد أشهر من تقليل مسؤولي إدارة ترامب من شأن التنافس معها، إلى درجة أنّ استراتيجية الدفاع الوطني التي نُشرت في كانون الثاني تبنّت نبرة أكثر ليونة بشأن السعي إلى «علاقات محترمة مع الصين». أمّا التوجيه الصادر من البيت الأبيض قبيل الرحلة لتجنّب المواجهات غير الضرورية، فيمثل نصيحة معتادة، تسبق زيارة رئاسية عالية المخاطر.
لكنّ قراءة تقارير البنتاغون بشأن الصين تكشف صورة عن وتيرة التعزيزات البحرية والنووية الصينية والضغوط المتواصلة على كل من الفيليبين وتايوان. كما تسرد التقارير عمليات محاكاة لفرض حصار على تايوان، وهو أمر قد يبدو أكثر جاذبية للحكومة الصينية الآن، بعدما أصبحت الولايات المتحدة تفرض حصاراً على الشحنات الداخلة إلى إيران والخارجة منها. كذلك تصف التقارير جهداً لا يلين لمتابعة تطوير الذكاء الاصطناعي و«تحقيق الاكتفاء الذاتي في أشباه الموصلات».
نيويورك تايمز