فلسفة التوازن الصعب: هكذا حمى محمد بن سلمان السعودية من فخ الفوضى الإقليمية

السعودية وإسرائيل: من اتفاقات أبراهام إلى قمم الرياض… كيف تطوّر الموقف الرسمي؟

في مقاله المنشور في صحيفة «الشرق الأوسط»، والذي نُشر باللغة الإنكليزية أيضاً في صحيفة Arab News بتاريخ 11 أيار 2026 بعنوان «هكذا نجح محمد بن سلمان»، خرج الأمير تركي الفيصل عن الأسلوب الذي اعتاد اعتماده لسنوات، وخصوصاً منذ اندلاع الحرب على غزة. فالرجل الذي غالباً ما كان يعبّر عن قناعاته السياسية بصفته ديبلوماسياً ومسؤولاً سابقاً، مع ترك هامش واضح بين رأيه الشخصي والموقف الرسمي السعودي، بدا هذه المرّة أكثر مباشرة ووضوحاً، حين قدّم دفاعاً سياسياً واستراتيجياً متكاملاً عن خيارات ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وربط نجاح المملكة بقدرتها على تجنّب الانجرار إلى الفوضى الإقليمية، وإدارة التوازنات بهدوء وبراغماتية.

هذا المقال لا يمكن فصله عن التحوّلات التي شهدها الموقف السعودي تجاه إسرائيل خلال السنوات الأخيرة، ولا عن الطريقة التي أعادت فيها الرياض تعريف مفهوم «الواقعية السياسية» بعد أحداث 7 أكتوبر 2023 والحرب على غزة. فعندما وُقّعت اتفاقات أبراهام عام 2020، بدا أنّ المنطقة تتّجه نحو مرحلة جديدة عنوانها التطبيع السريع مع إسرائيل، تحت رعاية أميركية مباشرة، وبإيقاع خليجي متسارع.

يومها، انشغل العالم بسؤال واحد: متى تنضمّ السعودية؟ لم يكن السؤال ما إذا كانت ستنضمّ، بل متى. لكنّ المملكة اختارت مساراً مختلفاً. فهي لم تدخل موجة الرفض التقليدي، لكنّها لم تلتحق أيضاً بسياسة التطبيع السريع وغير المشروط. بقيت المبادرة العربية للسلام لعام 2002 المرجعية الأساسية للموقف السعودي: لا علاقات طبيعية كاملة من دون دولة فلسطينية وتسوية سياسية شاملة.

في تلك المرحلة، كان الأمير تركي الفيصل يلعب دوراً دقيقاً في التعبير عن هذا التوازن، لكن من موقع شخصي، وفي أغلب الأحيان حين يكون خارج المملكة، منعاً لأي تأويل أو إحراج. انتقد إسرائيل بوضوح، ودافع عن الفلسطينيِّين بقوّة، لكنّه لم يغلق الباب أمام فكرة السلام، شرط ألّا يتحوَّل إلى استسلام سياسي مجاني. ومنذ ما بعد حرب اليمن، بدأت المملكة بقيادة الأمير محمد بن سلمان بتبنّي سياسة إقليمية مختلفة، تقوم على تخفيف التوترات، حماية الداخل السعودي، وتجنّب الانخراط في الحروب المفتوحة.

من هنا جاء التقارب مع إيران بوساطة صينية في آذار 2023، وتكرَّرت الاجتماعات في طهران والرياض، وربما في مسقط والدوحة خلال السنوات التي تلت، فيما لعب العراق دوراً تمهيدياً أساسياً بدوره. كذلك عملت المملكة على الانفتاح على تركيا، وإعادة ترميم العلاقات مع سوريا، والعودة إلى عاصمة الأمويِّين من بوابة واسعة، ولو لم تبلغ بعد ما يبتغيه السوريّون أنفسهم، ومحاولة بناء سياسة أكثر استقلالاً عن الإيقاع الأميركي التقليدي، لكن من دون ابتعاد عنه، ولا حتى محاولة استفزاز القيادة الأميركية التي تنظر بحذر إلى أي مقاربة لا تنسجم بالكامل مع رؤيتها للمنطقة.

لكنّ التحوُّل الأهم في المقاربة السعودية لم يكن مرتبطاً بإسرائيل وحدها، بل بإيران أيضاً، فالمملكة التي خاضت لسنوات مواجهة إقليمية مفتوحة مع طهران – من اليمن إلى لبنان وسوريا والعراق – بدأت تقتنع تدريجياً بأنّ استمرار سياسة الاستنزاف المتبادل يحمل كلفة هائلة على الجميع، وخصوصاً على مشاريعها الداخلية الكبرى.

من هنا يمكن فهم أهمية الاتفاق السعودي- الإيراني الذي رعته الصين في آذار 2023. فالاتفاق لم يكن مجرّد مصالحة ديبلوماسية عابرة، بل محاولة لإعادة تنظيم الاشتباك الإقليمي ومنع تحوُّله إلى حرب شاملة لا يريدها الطرفان، حتى لو استمر التنافس بينهما على النفوذ والدور.

وفي مقاله الأخير، بدا الأمير تركي الفيصل واضحاً في هذه النقطة تحديداً. فهو لم يتحدّث عن إيران بلغة الحرب المفتوحة، ولا بلغة العداء العقائدي الذي طبع مراحل سابقة، بل من زاوية مختلفة: نجاح السعودية كان في تجنّب الإنجرار إلى المواجهة، وفي حماية الداخل السعودي والخليجي من الانفجار الكبير الذي حاولت إسرائيل دفع المنطقة نحوه.

وهنا تكمن إحدى أهم التحوُّلات في التفكير السعودي. ففي مراحل سابقة، كان يُنظر إلى أي تصعيد ضدّ إيران باعتباره فرصة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. أمّا اليوم، فباتت الرياض أكثر اقتناعاً بأنّ الحرب الكبرى – حتى لو أضعفت إيران – قد تُدخِل الشرق الأوسط كلّه في فوضى طويلة يصعب التحكُّم بنتائجها.

ولذلك، لم تتعامل المملكة مع التصعيد الإسرائيلي ضدّ إيران باعتباره فرصة استراتيجية، بقدر ما نظرت إليه كخطر إقليمي واسع قد يُهدِّد الخليج نفسه، وأسواق الطاقة، ومشاريع التحوُّل الاقتصادي التي يقودها محمد بن سلمان.

هذا لا يعني بالطبع أنّ الخلافات السعودية- الإيرانية انتهت، فالملفات العالقة لا تزال كثيرة، من النفوذ الإقليمي إلى طبيعة التوازنات الأمنية في الخليج، واليمن، ولبنان، وسوريا. لكنّ الفارق أنّ الرياض باتت تفضّل إدارة هذه الخلافات ضمن قواعد اشتباك سياسية وأمنية مضبوطة، بدل تحويل المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة.

لكنّ 7 أكتوبر غيّر كل شيء تقريباً. فالحرب على غزة، وحجم الدمار، والخطاب الإسرائيلي المتشدِّد، دفعت الرياض إلى إعادة التموضع بشكل واضح. لم يعُد الحديث يدور حول «فرصة تاريخية للتطبيع»، بل حول طبيعة الشرق الأوسط الذي تحاول إسرائيل فرضه بالقوّة العسكرية، وحول حدود القدرة على بناء استقرار إقليمي فيما تستمر الحرب بهذا المستوى من العنف.

هنا تحديداً اكتسبت قمم الرياض العربية والإسلامية في تشرين الثاني 2023 و2024 أهمّية استثنائية. فالسعودية أعادت عبرها تثبيت مجموعة من الثوابت:

– وقف الحرب على غزة ولبنان.

– رفض التهجير والترانسفير بأي شكل من الأشكال.

– دعم قيام دولة فلسطينية ضمن مسار غير قابل للرجوع.

– رفض منح إسرائيل اندماجاً مجانياً في المنطقة.

– والتأكيد أنّ الأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على القوّة العسكرية وحدها.

واللافت أنّ هذه المقاربة السعودية بدأت تجد تقاطعات متزايدة مع دول إقليمية كبرى، لكل منها حساباتها الخاصة، فتركيا، على رغم من عضويّتها في الناتو وعلاقاتها المعقّدة مع إسرائيل، أظهرت بعد غزة قلقاً عميقاً من مشروع إقليمي تُفرض قواعده بالقوّة العسكرية الإسرائيلية، ومن احتمال تحوُّل المنطقة إلى ساحة فوضى مفتوحة. كما أنّ أنقرة لا تريد أن ترى نفسها خارج أي ترتيبات إقليمية كبرى تُرسم في شرق المتوسط أو المشرق العربي.

أمّا باكستان، فوجدت في الموقف السعودي مساحة تقاطع مهمّة، سواء لجهة رفض التهجير أو لجهة التمسك بالقضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية في العالم الإسلامي. كما أنّ إسلام آباد تنظر بحذر شديد إلى أي انفجار إقليمي واسع، قد ينعكس على التوازنات الداخلية في جنوب آسيا والعالم الإسلامي الأوسع.

وفي الحالة المصرية، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالقاهرة، المرتبطة باتفاق سلام مع إسرائيل منذ عقود، تنظر بقلق بالغ إلى سيناريوهات التهجير من غزة، وإلى احتمال انهيار التوازنات القائمة على حدودها. لذلك برز تقاطع واضح بين الرياض والقاهرة حول ضرورة منع تفريغ غزة، والحفاظ على فكرة الدولة الفلسطينية، ومنع الانفجار الإقليمي الواسع.

ومن هنا أيضاً، يمكن فهم جانب من التباين الكبير السعودي- الإسرائيلي. فبينما بدت إسرائيل أكثر ميلاً إلى توسيع المواجهة الإقليمية، كانت السعودية تتحرَّك في الاتجاه المعاكس تقريباً: احتواء التصعيد، ومنع الانفجار، وتجنّب تحويل الخليج إلى ساحة حرب كبرى تطيح مكتسباته، وتفتح الباب أمام هيمنة إسرائيلية شبه كاملة على الإقليم.

في المقابل، ظهرت تباينات سياسية واضحة بين السعودية والإمارات في مقاربة الملف الإسرائيلي، وإن بقيت ضمن حدود العلاقة الاستراتيجية بين البلدَين، خصوصاً مع وجود استثمارات سعودية هائلة في دولة الإمارات، وعلاقات ضاربة في التاريخ على رغم من التوترات الحالية، فالإمارات كانت أكثر اندفاعاً نحو اتفاقات أبراهام، وأكثر اقتناعاً بإمكانية بناء شراكة إقليمية مع إسرائيل تقوم على الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن.

بينما تعاملت السعودية بحذر أكبر، انطلاقاً من موقعها الديني والسياسي العربي والإسلامي، ومن إدراكها أنّ أي تحوُّل بهذا الحجم يحتاج إلى غطاء سياسي أوسع وإلى تسوية حقيقية للقضية الفلسطينية.

وبعد 7 أكتوبر، بدا هذا التباين أكثر وضوحاً. فبينما حافظت أبو ظبي على إطار العلاقة المفتوحة مع إسرائيل، اتجهت الرياض إلى إعادة رفع السقف السياسي وربط أي مسار مستقبلي بشروط أكثر وضوحاً تتعلّق بالدولة الفلسطينية والاستقرار الإقليمي.

لكنّ السعودية، على رغم من ذلك، لم تعُد إلى خطاب «اللاءات» القديم، كما أنّها لم تنخرط في خطاب شعبوي أو تصعيدي. بل حاولت تقديم نفسها كقوّة إقليمية تسعى إلى إدارة التوازنات لا تفجيرها، وإلى منع الحروب لا الاستثمار فيها.

ولهذا، ربما بدا مقال تركي الفيصل الأخير مختلفاً إلى هذا الحدّ. فهو لم يكن مجرّد دفاع عن سياسة المملكة، بل إعلاناً غير مباشر عن فلسفة سياسية جديدة تقول إنّ نجاح السعودية لا يُقاس بعدد الحروب التي تخوضها، ولا بسرعة اندفاعها نحو التطبيع، بل بقدرتها على فرض شروطها، وحماية استقرارها، ومنع المنطقة من الانزلاق إلى شرق أوسط تحكمه الفوضى وحدها.

خلدون الشريف – الجمهورية

مقالات ذات صلة