🟠سُنّة وحبة مسك..أو سكّر زيادة!

بالتوازي مع التبرئة المتأخرة للشيخ أحمد الأسير وفضل شاكر، وتزامنًا من الجدلية المفتعلة والمستعرة حول قانون العفو العام وقضية الموقوفين الاسلاميين، لا بد من انعاش الذاكرة باستعادة لقطات سريعة من تاريخ طويل عريض مجبول بالعذابات والانكسارات والتجارب القاسية، واسمحوا لنا هذه المرة أن نكون سنّة مع حبّة مسك، أو سكّر زيادة، لننصف هؤلاء المظلومين، ولنقول بكل حزم وكل وضوح إن الوقت قد حان لإطلاق سراحهم، بل والاعتذار منهم ومن عوائلهم المكلومة، ولإغلاق هذه الصفحة السوداء من تاريخٍ بائدٍ ولّى وانتهى إلى غير رجعة.
لم يتحمّل أحد في لبنان ما تحمّله السنّة على مدى عقود طويلة. منذ بطش حافظ الأسد، إلى بطش نجله بشار وأدواتهم وأزلامهم، وصولاً الى بطش الحزب وبطش الحرس. ومنذ قتل رفيق الحريري إلى شطب وسام الحسن، مرورًا بدرب الجلجلة السياسية منذ حكومة فؤاد السنيورة عام 2005 وحتى تسمية شخصيات من عيار حسان دياب للجلوس في كرسي رئاسة الحكومة.
هذه جميعها محطات تكوي القلب، عايشها السنة لحظة بلحظة، وشكلت وعيًا جمعيًا قائمًا على الخسارة المتكررة والمستدامة، وعلى الإحساس القطعي بأن هذا النوع من الاستهداف الرهيب ليس صدفة ولا ارتجالاً، بل انتقام ممنهج ومنظّم ومدبّر.
مذنبون بالفطرة
قبل هذا كله ومعه وبعده، عاش السنّة تداعيات أحداث أيلول الأسود في أبراج نيويورك عام 2001، حيث تحوّلوا إلى جزءٍ من مشهد عالمي يشيطنهم ويضعهم في خانة الاتهام الدائم. لم يكن السنة في لبنان بعيدون عن موجة الكراهية الذي اجتاحت المنطقة، بل كانوا أحد أكثر المتأثرين بها، حيث وجدوا أنفسهم فجأةً في دائرة الشك، لا بسبب فعلٍ اقترفوه، بل بسبب هويةٍ التصقت بهم.
لاحقًا جاءت صدمة إسقاط بغداد، ومشهد شنق صدام حسين صبيحة عيد الأضحى، بما حمله من رسالة سياسية ومذهبية عميقة. ومع دخول إيران بثقلها المذهبي إلى العراق، بدأت المنطقة تتغيّر على نحوٍ جذري، وبدأ ميزان القوى يميل باتجاه مشروعٍ إقليمي كان السنّة فيه الخاسر الأكبر.
لم تكد المنطقة تلتقط بعضًا من أنفاسها، حتى اشتعل الربيع العربي، وانفجرت الثورة اليتيمة في سوريا، التي قُمعت على نحو غير مسبوق، ثم تحولت إلى حمام دم، والى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات سياسية ومذهبية نافرة ومقيتة، في مشهدٍ كرّس وأكد شعور السنّة بأنهم مستهدفون في وجودهم السياسي والاجتماعي.
وسط كل هذه التحوّلات، عاش السنّة حالةً فريدة من الاتهام الجماعي. صاروا مذنبين بالفطرة، الواحد فيهم متهم حتى يُثبت العكس، ولم يحصل مرة ان ثبت عكس ذلك. هويتهم تحولت إلى شبهة، وانتمائهم إلى تهمة تحتاج إلى تبريرٍ دائم.
عار على جبين البلد
رغم كل ذلك وأكثر، لم ينزلق السنة إلى الخيارات التي كان يمكن أن تكون متوقعة في ظل هذا الكم من الضغط، بل أثبتوا بالقول والممارسة أنهم ليسوا إلا أهل دولة وأهل سلم وأهل عيش مشترك. هذه لم تكن مجرد شعارات، بل سلوكٌ متراكم أثبتته السنوات. لم يجنحوا نحو التطرف، ولا نحو العسكرة والقتال، رغم توفر كل الأسباب الموجبة، بل صبروا وتحملوا ما لا تحمله الجبال، وأصرّوا على الانصياع لمنطق الدولة، وعلى الانضواء تحت سقفها، حتى حين كانت هذه الدولة نفسها عاجزة عن حمايتهم أو إنصافهم، بل وفي كثير من الأحيان متآمرة عليهم.
من أخطر وأفظع وأقبح افرازات هذه الحالة هي قضية السجن الاعتباطي عبر استخدام وتطويع المؤسسات الرسمية والشرعية. تم توقيف السنّة وزجّهم في السجون بلا محاكمات وبدون أي مستند قانوني أو قضائي أو أخلاقي أو حتى قرار ظني. مئات الموقوفين يقبعون خلف القضبان منذ سنوات طويلة، بعضهم لا يعرف حتى التهمة الموجّهة إليه. يكفي أحيانًا أن تُعثر على صورة في هاتفه، أو أن يُذكر اسمه في تقريرٍ أمني، ليجد نفسه داخل دوّامةٍ لا تنتهي من التوقيف التعسّفي.
اليوم، وفي ظل التحوّلات الإقليمية والدولية، ومع انكسار المشاريع التي كانت تفرض نفسها بقوة السلاح، تبدو الفرصة متاحة لإعادة تصويب هذا المسار. ليس المطلوب انتقامًا ولا تصفية حسابات، بل خطوة شجاعة تعيد الاعتبار لفكرة العدالة، عبر إطلاق سراح الموقوفين الذين لم تثبت إدانتهم، أو الذين أمضوا سنوات طويلة من دون محاكمة عادلة، وهذا ليس منّة من أحد، بل واجب قانوني وأخلاقي وانساني ووطني متأخر جدًا.
الوقت حان لمعالجة هذا الملف بشكل جذري ونهائي وفوري. آن الأوان لوضع حد لهذه المظلومية المستدامة، آن الأوان لمسح هذا العار عن جبين البلد. لا يجوز بأي عقل أو منطق أن يبقى هؤلاء في السجون، بعد كل ما جرى في لبنان وفي سوريا، وبعد انكسار المشروع المذهبي والأقلوي في المنطقة، وبعد استعادة الدولة لجزء وازن من توازنها وقرارها واتساع هامش قدرتها وحركتها، لأن العدالة المتأخرة رغم مرارتها خير بألف مرة من الظلم المستدام.
قاسم يوسف- اساس



