فوبيا الموارنة في الوعي الشيعي: الراعي كبش فدء الهزيمة!

!!فهم الكراهية الشيعيّة
أنتج موظّف غير مسيحي في “المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال” فيديو اعتبره كثر من شيعة لبنان مهينًا لنعيم قاسم، فردّوا بحملة ضدّ بطريرك الموارنة لعلّها تكون أقذع ما شهدته البلاد بالسنوات الأخيرة. ما علاقة البطريرك بالفيديو المذكور؟ الجواب أن لا علاقة له. لماذا شتمه إذًا؟ الجواب أنه رمز الموارنة، والحقد الشيعي عليه امتداد للحقد الشيعي عليهم. لا يعلم واحدنا أيّ صورة من الصور التي تداولها المغرّدون الشيعة بكثافة مثيرة للحنق أكثر. أهي استبدال رأس البطريرك برنجر “مقاوم”؟ أم تصويره كفتاة ليل؟ أم صورة الهزء بمار شربل؟ يقال إن الإناء ينضح بما فيه. يبدو أن المعادلة صحيحة بدورها لأكثر بيئة متطرّفة وحاقدة بتاريخ لبنان.
قبل الحملة بيومين، أطلّ متفلسف شيعي يفترض أنه معارض لـ “حزب اللّه” ليحمّل الموارنة مسؤوليّة الخلاف السنّي – الشيعي في لبنان. قال بالحرف: “اختراع المسألة الشيعيّة في لبنان شيء ماروني. اختراع الحالة الشيعيّة هو لشق الصفّ الإسلامي بالخمسينات والستينات بمواجهة السنّة. يعني الموارنة بمواجهة السنّة كان من مصلحتهم شق الصفّ الإسلامي”. بالحقيقة، الحالة الشيعيّة في لبنان موجودة منذ مؤتمر وادي الحجير، والمذابح التي ارتكبتها عصابات أدهم خنجر في جبل عامل بحق مسيحيّيه في العشرينات من القرن الماضي. ثمّ إن الصراع السنّي – الشيعي، الذي أجّجه الصراع العثماني – الصفوي بالقرن السابق لولادة لبنان، قديم قدم الإسلام نفسه. تحميل الموارنة – هكذا، بصفتهم هذه – مسؤوليّة “اختراع” الحالة الشيعيّة جهل جدير تمامًا بمحترفي الكلام الفارغ على شاشات لبنان. ولكنه أوّلا كراهية. وأن تأتي الكراهية من شيعيّ غير مؤيّد لـ “حزب اللّه” يؤكّد المؤكّد لجهة أن الحقد على الموارنة ليس محصورًا بـ “الحزب” في الوسط الشيعي.
وعمومًا، ليس كلّ ذلك بجديد على من يتابع الخطاب الشيعيّ العام في لبنان، عند مؤيّدي “حزب اللّه” وأمل خصوصًا، ولكن ليس عندهم وحدهم. صحيح أن التعميم خطأ. عند الشيعة اللبنانيّين، كما لدى أيّ جماعة بشريّة أخرى، عقلانيّون وغير عقلانيّين. ولكنّ الصحيح أيضًا أن لا جماعة أخرى في لبنان يخرج منها من يهتف بالفخر الطائفي كما يصيح به مؤيّدو “حزب اللّه” و “أمل”: “شيعة؛ شيعة؛ شيعة”. المحتفون بحبيب الشرتوني على مواقع التواصل عمومًا شيعة، وشعارهم الأثير “لكلّ خائن حبيب” معروف. شعار “إذا مش عاجبك هاجر” يستسهله الناشطون الشيعة على مواقع التواصل، وكذلك التهديد بالارتداد على الداخل بعد قتال إسرائيل، والتلويح بـ “استعادة” كسروان من الموارنة، أو “إعادتهم” إلى سوريا… كلّ هذا وأكثر يقرأه واحدنا على مواقع التواصل الشيعيّة، فلا يعود يصدمه طوفان الرثاثة الكارهة للموارنة وبطريركهم على وضاعتها.
كلّ الطوائف في لبنان قادرة على التوحّش والحقد. ولكن الحقد الظاهر في الحملة على البطريرك استثنائي حتى بالمعايير اللبنانيّة. كيف نفهمه؟ السببان المباشران واضحان: خسارة الحرب مع إسرائيل؛ والخوف من أن تؤدّي الهزيمة العسكريّة إلى سقوط السطوة الشيعيّة المستمرّة منذ نهاية الحرب الأهليّة اللبنانيّة عام 1990. ولكن هناك أسباب أبعد، عنيت عقودًا مضت من بروباغاندا القوى التي تنسب نفسها لليسار في لبنان، من الحزب الشيوعي إلى الحركة الوطنيّة، والتي ضخّت بوعي الشيعة مظلوميّة وحقدًا على الجمهوريّة اللبنانيّة الأولى لا تستحقه. “حزب اللّه” لم يبن سرديّته من الصفر. وليس بدون معنى أن كثرًا من كادراته وفدوا إليه من خلفيّات يسارويّة، علمًا أن التداخل بين جمهور “الحزب” وبقايا اليسار مستمرّ إلى الساعة. ولئن كان الحقد عميقًا، ومعه الاستعداد السريع للعنفين المعنوي والجسدي، فلأنّ الاستثمار بكراهية الموارنة وتوظيفها بدأ قبل عقود أربعة على الأقلّ سبقت ولادة “حزب اللّه” بين الشيعة مطلع ثمانينات القرن الماضي. عندي أن دراسة أربعين عامًا قبل الحرب من تجربة يسارويّي لبنان ضروريّة لفهم السعار الشيعي اليوم.
هشام بو ناصيف – نداء الوطن



