🟠الصورة لشراء بعض الوقت: جلسة المفاوضات…حل أم مشكلة؟

نجح الرئيس الأميركي دونالد ترامب في تضييق الخناق حول إيران. فبعد مفاوضات شاقة في إسلام أباد، خرج نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وحال الإنهاك بادية عليه، ليعلن فشل جولة الـ21 ساعة تفاوضية. صحيحٌ أنّ الأسلوب الإيراني في التفاوض مشهود له بصعوبته، إلّا أنّه بدا بوضوح للجانب الأميركي تمسّك طهران بورقتَين رابحتَين بيَدها. الأولى عنوانها مضيق هرمز، والثانية تتعلّق بنفوذها الإقليمي وتحديداً في لبنان. لذلك كان لا بُدّ لإدارة ترامب من تعطيل هاتَين الورقتَين لدفع الموقف الإيراني باتجاه المرونة. فكان قرار حصار مضيق هرمز، ما قلب الموقف وجعل المحاصر (بكسر الصاد) محاصراً (برفع الصاد)، وإلى جانب ذلك إطلاق المسار التفاوضي المباشر بين لبنان وإسرائيل، وبالتالي انتزاع ورقة لبنان من الحقيبة الإيرانية.
وكان متوقعاً ألّا تذعن إيران للهجوم الأميركي المعاكس. لذلك عمدت أولاً إلى إطلاق تهديدات متتالية، بأنّ إبقاء الحصار على موانئها سيدفعها لإغلاق جميع الموانئ القريبة، بما معناه قصف موانئ الدول الخليجية، لكنّ تهديدها بقي من دون ترجمة عملية. وعمدت ثانياً لإشهار مخالبها في بيروت والتلويح بمحاصرة وإسقاط الحكومة، التي تُعتبَر حليفة لواشنطن والرياض. وهكذا انطلقت تحرُّكات شعبية قرب السراي الحكومي وسط انتشار أعلام «حزب الله» وإيران، وإطلاق شعارات التخوين بحق رئيس الحكومة نواف سلام، الذي كان يستعد للسفر إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وحيث كان هذا الأخير يستعد لرعاية تدشين أول لقاء تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل. ولم تكتفِ الحشود بالتجمُّع في ساحة رياض الصلح فقط، بل جابت شوارع بيروت وبيدها الأعلام الإيرانية، حيث المعقل التاريخي للطائفة السنّية. وسُجِّلت بعض الإحتكاكات. وبدا المشهد خطيراً في العاصمة اللبنانية في ظل رسائل إيرانية متعدِّدة، ومنها: التحذير الذي صدر عن مسؤولين إيرانيِّين، والمتعلّق بالإستقرار الأمني في لبنان، تصاعد أعداد الرشقات الصاروخية باتجاه إسرائيل كمّاً ونوعاً وطال بعضها عمق 150 كلم، وانفلات التحرُّكات في شوارع بيروت، بما يؤشر لاحتمال تهديد السراي الحكومي.
الرسائل الإيرانية كانت تعني بأنّها الطرف الأقوى في لبنان وأنّها على قاب قوسَين من قلب الوضع. وجاء الردّ عبر نشر قوى النخبة من الجيش وقوى الأمن الداخلي في العاصمة، ما يعني الإستعداد للمواجهة. لكنّ الردّ الأفعل جاء من السعودية. ويُحكى في الكواليس، بأنّ الرئيس نبيه بري تلقّى اتصالاً عاجلاً من المملكة، تضمّن كلاماً عالي السقف وتحذيراً من مغبة ما يجري الإعداد له. وترافق هذا الإتصال مع رسالة سعودية أخرى شديدة اللهجة إلى طهران نقلتها إسلام أباد. وفي الوقت عينه صدر خبر من دمشق يتحدّث عن إلقاء القبض على خلية تابعة لـ»حزب الله» كانت تحضّر لاستهداف كنيسة المريميِّين. وهذا الخبر يمهّد ويبرّر ضمناً لإمكانية التحرُّك ضدّ قواعد «حزب الله» في لبنان.
في بيروت، أسهب الرئيس بري بشرح أسباب الإحتقان الحاصل، وبأنّه يرفض أي عمل يؤدّي لصدام داخلي، وأنّه أعطى مسؤولي «حركة أمل» تعليمات بتطويق أي محاولة تؤدّي لانفلات الشارع. واقترح بري أن يرجئ سلام زيارته إلى واشنطن لتنفيس الإحتقان الحاصل، وهذا ما حصل. ولاحقاً زار وفد من «حزب الله» ضمّ النائبَين أمين شري وابراهيم الموسوي مكتب وزير الداخلية أحمد الحجار، وأعلنا عدم مسؤولية قيادة الحزب عمّا حصل في الشارع، وأكّدا حرص القيادة على الإستقرار الداخلي.
وإثر ما حصل، بدا لطهران بأنّ استرجاع ورقتَي مضيق هرمز وبيروت بكامل «دسمهما» مسألة محفوفة بالمخاطر. فكانت العودة إلى قاعة التفاوض بواقعية أكبر، خصوصاً أنّ الصين تجاوبت مع الطلب الأميركي بعدم تزويد إيران بالأسلحة كسبيل لتأمين فتح آمن وثابت لمضيق هرمز، وهو ما اعتبره ترامب خطوة ذكية من جانب الصين.
وجاءت «احتفالية» صورة الجلسة التفاوضية المباشرة الأولى بين لبنان وإسرائيل. لكنّ البيان الختامي جاء أبعد بكثير من التوقعات التي سبقت. والهدف التأكيد على سحب الورقة اللبنانية من الحقيبة الإيرانية، ولو أنّ لبنان سيحضر، بطريقة أو بأخرى، في المفاوضات الأميركية-الإيرانية، من زاوية وقف طهران سياسة الأذرع في المنطقة.
لكنّ التحدّي الحقيقي ليس بالحرب نفسها، بل بما سيحدث في اليوم التالي. فحتى لو انتهت وفق النتائج الحالية، فستترك خللاً كبيراً في توازن القوى، الذي عرفته المنطقة على مدى العقود الأربعة الماضية. صحيح أنّ النظام الديني الإيراني نجا من الموت، لكنّه أصيب بتشوُّهات كبيرة مع غياب الكثير من رجال الصف الأول وعلى رأسهم الشخصية التاريخية علي خامنئي. فمؤسسات الدولة ومنشآتها أصابها دمار هائل بلغ أكثر من 270 مليار دولار، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول كيفية مواجهة تحدّيات اليوم التالي. وصحيح أنّ الحرب ساعدت في رصّ صفوف المواطنين خلف السلطة بعد تغليب الولاء القومي على الإنقسامات السياسية، لكنّ تحدّيات المستقبل كبيرة وقد تُعيد فتح جروح الإنقسامات الداخلية بشكل أكبر. وهو ما قد يعني ببقاء نظام ضعيف في ظل انتفاء وجود بديل مقنّع له. وهذا سيجعل من سلوك النظام أكثر عدائية على مستوى المنطقة. وحتى لو حصلت لاحقاً فوضى داخلية متنقلة، فسيفتح ذلك باب تصدير الفوضى إلى الجوار، الذي بات منسوب عدائه للنظام الإيراني أعلى من السابق.
لا شك أنّ انحسار النفوذ الإقليمي لإيران خصوصاً في المنطقة الممتدة حتى شاطئ البحر المتوسط، سيؤدّي إلى خلل في النظام الإقليمي القائم، وسط صراع تركي وإسرائيلي على البديل. لا شك أنّ الحرب أدّت إلى إعلان فشل الإستراتيجية الإيرانية التي كانت قائمة على تصدير الثورة وترسيخ جبهات خارج حدودها من خلال الوكلاء، لتصبح الجبهة الرئيسية في قلب إيران. وهنا يأتي السؤال حول تأثير ذلك على لبنان، الساحة التي احتضنت باكورة مشروع تصدير الثورة، ليصبح لاحقاً مركز قيادة كامل هذا المحور مع الأمين العام التاريخي لـ»حزب الله» حسن نصرالله.
ولا شك أنّ أحد أبرز الأسئلة يتمحور ليس فقط عن مصير السلاح، بل خصوصاً عن المصير المالي والإقتصادي لهذه التركيبة الواسعة والمؤدلجة. لا شك أنّ طهران، وأياً تكن بنود اتفاقها مع واشنطن، ستعمل جاهدة للحفاظ على ما أمكن من نفوذها الإقليمي بأقل كلفة ممكنة. و«حزب الله» مرشح لأن يتحوَّل من قوّة إقليمية هجومية إلى قوّة محلية دفاعية، أي الإنتقال من قدرة تهديد خارجية إلى عائق داخلي. وهو ما يعني أنّ لبنان يدخل مرحلة إعادة صياغة توازنه الداخلي. ذلك أنّ فك الإرتباط البنيَوي بين إيران و«حزب الله» سيطال حكماً بُنية التوازنات الداخلية. فنفوذ إيران في لبنان لم يكن يقتصر على البُعد العسكري فقط، بل كان يمتد إلى شبكة سياسية واجتماعية عميقة، جرى بناؤها على مدى عقود. وهنا السؤال الأهم: هل حضّرت السلطة مشاريعها لتوفير بدائل داخلية وأخرى خارجية حقيقية؟ فالتجارب السابقة في لبنان تشير إلى أنّ الفراغ في لبنان غالباً ما كان يجري ملؤه بسرعة من قِبل قوى أكثر تنظيماً وقدرة على التمويل، وليس أبداً من قِبل الدولة. مع التذكير هنا بسعي كل من إسرائيل وتركيا لملء فراغ إيران في المنطقة.
ولذلك، لا تبدو الصورة التي أُخذت في واشنطن لانطلاق المسار التفاوضي اللبناني-الإسرائيلي كافية للركون إلى الوجهة اللبنانية الجديدة. ذلك أنّ فصل المفاوضات اللبنانية عن الإيرانية حصل في الصورة، لكنّ تطبيقه على أرض الواقع ليس بهذه السهولة. وقد تنفع الصورة لشراء بعض الوقت بانتظار كامل الصفقة الأميركية-الإيرانية. وما يفاقم من المشكلة، أنّ الحزب الجمهوري تتزايد معاناته الشعبية، ما يُهدِّد بكلفة إنتخابية كبيرة، وعندها قد يتراجع اهتمام واشنطن بكامل المنطقة، ويجري تركنا لإسرائيل.
في نهاية العام الماضي، أي قبل اندلاع الحرب ببضعة أسابيع، أجرت مؤسسة «الباروميتر العربي» استطلاعاً بالتعاون مع المجموعة الإستشارية للشرق الأوسط بمؤتمر ميونيخ للأمن، وشمل 1200 مواطن لبناني جرى اختيارهم عشوائياً، وأظهر تحوُّلاً مهمّاً لناحية استعداد اللبنانيِّين لوضع بعض الثقة في مؤسسات الدولة ومستقبل بلادهم. ولا بُدّ أن تكون الحرب لاحقاً قد أدّت إلى انتكاسة كبرى في هذا التحوُّل الإيجابي. لكنّ العودة إلى نتائجه تبقى مفيدة. فاللافت أولاً، التقييم السلبي جداً للإقتصاد اللبناني. فهو حلّ في المرتبة الأخيرة بين دول عربية عدة، ونال 5% فقط، في حين نال المغرب 41% والعراق 38% وتونس 31% ومصر 28% والأردن 27% وحتى سوريا نالت 17% وفلسطين 8%. ولذلك اعتبر 25% من اللبنانيِّين المستطلعين أنّ الوضع الإقتصادي هو التحدّي الأهم، وجاء الإستقرار الأمني في المرتبة الثانية مع 24%، ثم الفساد المالي والإداري مع 21%. أمّا الموقف من مؤسسات الدولة، فنالت الحكومة 22% ومجلس النواب 27% والقضاء 27%، وهي نسب متدنّية جداً من حيث القيمة المطلقة وبالمقارنة مع بلدان عربية أخرى. وتأتي مستويات الثقة بالدولة اللبنانية من بين الأدنى بين جميع البلدان التي شملها الإستطلاع، ولو أنّها تمثل تحسناً كبيراً عن نتائج عام 2024، حين كان الفراغ الرئاسي سيّد الساحة. والأخطر، ما تبيّن أنّ نسبة 28% من اللبنانيّين ما زالوا يفكّرون بالهجرة، ولو أنّها أفضل من نتائج إستطلاع العام الذي سبق. أمّا نظام الحُكم المفضّل للبنان، فرأى 41% أنّ نظامهم الطائفي الحالي هو الأفضل، في مقابل 38% يفضّلون نظاماً مدنياً علمانياً، و17% يؤيّدون نظاماً فدرالياً وفق التقسيم الطائفي، وحيث تتولّى الأقاليم إدارة نفسها بنفسها عبر سلطة محلية. والأهم رفض 49% منهم التغيير أو المسّ بالتوزيع الطائفي القائم حالياً، في مقابل 36% يريدون تغييره، و14% تأرجح جوابهم بربما.
وهذه الأرقام تؤكد الإنطباع بضعف قدرة الدولة اللبنانية على مواكبة مرحلة قد تشهد تغيُّرات كبرى على مستوى توازنات داخلية سادت وتجذّرت في بُنيانها وركائزها لزمن طويل. والأسوأ أنّ ورشة الإستعداد والتحضير لم تبدأ بعد، حتى على المستوى النظري.
جوني منيّر- الجمهورية



