🔔كارثة تجعل الضاحية والجنوب والبقاع… نسخة أخرى من غزة!

لم تكن التهديدات الإسرائيلية الأخيرة بإخلاء الضاحية الجنوبية وجنوب الليطاني مفاجئة بالكامل. في الكواليس الدبلوماسية، كان الحديث منذ أسابيع عن سيناريو مختلف عمّا عرفه لبنان في جولات المواجهة السابقة. هذه المرة لا تبدو قواعد الاشتباك التقليدية قائمة، ولا الخطوط الحمراء التي حكمت الجبهة لسنوات. الرسالة التي وصلت إلى بيروت كانت أكثر وضوحاً وقسوة: أي صاروخ يُطلق من لبنان، مهما كان حجمه أو الجهة التي تقف خلفه، سيُقابل بحرب مدمّرة. وأي تقاعس من السلطة السياسية الجديدة المنتخبة سيؤدي إلى أنّ يدفع لبنان الرسمي ثمناً باهظاً.

مصادر دبلوماسية تؤكد أنّ هذه الرسالة وصلت إلى معظم المعنيين في لبنان، رسميين ودبلوماسيين. مضمونها كان مباشراً: إسرائيل لن تتعامل مع أي حادث أمني على أنه محدود أو قابل للاحتواء، بل كسبب كافٍ لفتح حرب واسعة. النتيجة المتوقعة، بحسب هذه الرسائل، ستكون تحويل المناطق التي تخضع لنفوذ “الحزب” ــ الضاحية الجنوبية، الجنوب والبقاع ــ إلى غزة ثانية.

في هذا السياق، أعلن ‏​وزير المالية الإسرائيلي​ بتسلئيل سموتريتش في تصريح له، إنّه “قريباً سترون الضاحية الجنوبية في ​بيروت​ كما ​خان يونس​ في غزة”.

لكن التحذير لم يقتصر على حجم الرد، بل على طبيعته أيضاً. وفق هذه المصادر، فإنّ التصور الإسرائيلي للحرب لا يقتصر على استهداف البنية العسكرية للحزب أو مخازنه ومنصاته، بل يتعدى ذلك إلى ضرب ما تعتبره إسرائيل منظومة “دولة حزب الله”: مؤسسات، مراكز، بنى مالية واقتصادية، وأحياء كاملة ترى أنّها تشكل بيئة تشغيل للحزب.

مقابل “عدم تعامل السلطة السياسية مع الملفات الملحة والمطلوبة دوليا والتي حكمت انتخابات الرئاسة اللبنانية”، لا تستبعد التقديرات نفسها أن تمتد الضربات إلى البنية التحتية اللبنانية الأوسع في حال توسعت المواجهة: طرق رئيسية، جسور، مرافق حيوية، وربما منشآت أساسية للدولة. الهدف في القراءة الإسرائيلية لا يقتصر على تحييد القدرات العسكرية للحزب، بل إحداث ضغط تدميري واسع يجعل كلفة الحرب على لبنان كله مرتفعة إلى حد لا يمكن تحمّله. هذا الكلام هو رسالة تهدف إلى إظهار مدى خطورة تدهور الوضع في لبنان في حال استمرّ “الحزب” في هذه الحرب وفي ارتباطه مع إيران، وفي حال استمر فشل السلطة السياسية في معالجة ملف السلاح ودور “الحزب” في لبنان.

تكشف مصادر دبلوماسية لـ”أساس” أنّ إسرائيل لم تُقدم على تنفيذ كل ما هدّدت به بعد ظهر الخميس بهدم كل مباني المناطق التي هدّدت بها. إلا أن هذه التهديدات حملت رسائل واضحة إلى رئيس الجمهورية وإلى الحكومة، وإلى “الحزب” وكذلك إلى اللبنانيين، بهدف دفع البلاد إلى حالة استنفار عام تُفضي في نهاية المطاف إلى الذهاب نحو اتفاق نهائي مع إسرائيل.

في خلفية هذه المقاربة أيضاً تصور إسرائيلي أوسع للحرب. إسرائيل لا تنظر إلى المواجهة على أنها مع “الحزب” فقط، بل مع ما تسميه المنظومة الإيرانية في لبنان: شبكة عسكرية ومالية وسياسية تعتبرها جزءاً من استراتيجية إقليمية تقودها طهران. لذلك فإنّ ضرب هذه المنظومة، وفق هذه القراءة، لا يقتصر على مواقع عسكرية بل يشمل البنية التي تسمح لها بالعمل والاستمرار.

تحرّك القنوات الدبلوماسية

خلال الأسابيع الماضية، تحركت قنوات دبلوماسية عدة في محاولة لمنع الانزلاق إلى هذا السيناريو. تشير مصادر مطلعة لموقع “أساس” إلى أنّ مبادرات دولية عُرضت عبر قنوات رسمية على خط قصر بعبدا مع رئيس الجمهورية، في مسعى لاحتواء التصعيد وإبقاء لبنان خارج الحرب الدائرة في المنطقة. إلا أنّ تلك المساعي لم تفضِ إلى نتيجة حاسمة، فيما كانت المؤشرات الميدانية والسياسية تتجه تدريجياً في الاتجاه المعاكس.

في قراءة هذه المصادر، فإنّ ما يجري اليوم ليس مفاجأة بقدر ما هو ترجمة حرفية لما قيل سابقاً في الغرف المغلقة: إذا فُتحت الجبهة اللبنانية، فإنّ لبنان لن يشهد حرباً عادية بل هي حرب كارثية ستسقط كل ما حكم المشهد اللبناني قبلها.

المفارقة أنّ كثيرين في الداخل اللبناني وتحديداً مسؤولين بمناصب رفيعة جداً كانوا على علم بهذه المعادلة. بعضهم راهن على أنّ التهديدات ستبقى في إطار الضغط السياسي وأنّ الحرب لن تقع. آخرون راهنوا على حصول الحرب لتقوم بالعمل الذي يفترض أن تقوم به الدولة اللبنانية، فيما اختار البعض تجاهل الإشارات المتراكمة، أو التقليل من خطورتها. اليوم، ومع تصاعد التهديدات وبدء الحديث الإسرائيلي العلني عن إخلاء مناطق واسعة، يبدو أنّ السيناريو الذي حُذّر منه طويلاً يقترب من التحقق.

في الخلاصة، تتحدث مصادر دبلوماسية عن مسؤولية مشتركة، لأن المسؤولية السياسية لا يمكن اختصارها بطرف واحد، حتى وإن كان “الحزب” في قلب المعادلة العسكرية. “الحزب” يتحمل مسؤولية واضحة بحكم سلاحه ودوره وقراره في فتح الجبهة. لكن المسؤولية لا تقف عند هذا الحد. هناك أيضاً دولة ومؤسسات وقيادات سياسية كانت على علم بما يمكن أن يحدث، ولم تنجح ــ أو لم تحاول بما يكفي ــ في منع الوصول إلى هذه اللحظة.

لبنان يقف اليوم أمام مشهد شديد الخطورة. والوقت وحده سيكشف من كان يعرف، ومن حذّر، ومن راهن على العكس، ومن تقاعس عن القيام بما كان يجب القيام به. لكن المؤكد أن الثمن، إذا انفجرت الحرب على هذا النحو، لن يكون محصوراً بطرف واحد، بل سيدفعه بلد كامل قد يجد نفسه أمام كارثة تجعل الضاحية والجنوب والبقاع نسخة أخرى من غزة.

جوزفين ديب- اساس

مقالات ذات صلة