🔔رفع مستوى التّفاوض “بلا تردّد”: استعداد سلام لإضافة مدنيّين يفعّل “الميكانيزم”؟

هل المخاوف من أن يُتركَ لبنان يصارع لوحده في “الغابة المليئة بالوحوش”، كما يصف نوّاف سلام في مجالسه المحيط الدوليّ والإقليميّ، هي التي دفعت رئيس الحكومة إلى إبداء الاستعداد لإضافة المزيد من المدنيّين إلى لجنة “الميكانيزم” المأزومة؟ باتت هذه الفكرة مطروحة في الأوساط الرسميّة اللبنانيّة لعلّها تُخرجُ اجتماعات آليّة وقف الحرب من الجمود.
تعدّدت التفسيرات في شأن تعليق اجتماعات لجنة “الميكانيزم”. ما يقلق المسؤولين اللبنانيّين هو أن تستفيد إسرائيل من الواقع المستجدّ لتصعيد غاراتها ضدّ لبنان. وهو ما تصفه الأوساط المعنيّة بالمفاوضات المعلّقة في الناقورة بـ”المجهول”.
بالمقابل يتشارك بعض المسؤولين اللبنانيّين مع أوساط دبلوماسيّة أوروبيّة في الاعتقاد بأنّ ثلاثة “ميكانيزمات” أخرى في الإقليم حجبت الاهتمام بلبنان وتفوق بأهميّتها أوضاع لبنان، على الرغم من أهميّته من زاوية المطلب الدولي لاستكمال سحب سلاح “الحزب” شمال الليطاني، بعد “السيطرة العملانيّة” للجيش جنوب النهر.
ديناميّات غزّة وسوريا وإيران
أوّلاً هناك “ميكانيزم” دوليّ يتجاوز النواحي العسكريّة والأمنيّة نحو إطلاق ديناميّة سياسيّة تستكمل الاتّفاق لإنهاء الحرب في قطاع غزّة. توّج الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب مساعيه بالإعلان الاستعراضيّ الجديد لـ”مجلس السلام” وميثاقه، واعداً بأن يتعدّى دوره القطاع ليمتدّ إلى المنطقة برمّتها، من دون أن يوضح كيف.
ثانياً هناك “ميكانيزم” في بلاد الشام لتوسيع سيطرة الحكّام الجدد في سوريا على مناطق واسعة شمال شرقيّ وشمال غربيّ سوريا على حساب تمدّد “قوّات سوريا الديمقراطيّة” التي انتهى دورها في محاربة “داعش” بانضمام دمشق إلى التحالف الدوليّ للقضاء على التنظيم، واستعصت على الوساطة الأميركيّة لدمجها في الدولة السوريّة. حتّمت المتابعة الدؤوبة من جانب واشنطن وفرنسا للتطوّرات الميدانيّة إحالة “ميكانيزم” لبنان إلى المرتبة الثانية من الأهميّة.
ثالثاً هناك “ميكانيزم” خاصّ بإدارة الأزمة مع إيران، المفتوحة على شتّى الاحتمالات، العسكريّة والتفاوضيّة، حسب ما تنويه طهران وردّة فعل واشنطن. أكملت الأخيرة حشدها العسكريّ في المنطقة. بقدر ما يُبقي ترامب على الخيار العسكريّ، قال في دافوس إنّ طهران “تريد التفاوض وسنتكلّم معها”. ينسب مراقبون تعليق اجتماعات لجنة لبنان إلى انتظار ما ستؤول إليه الأمور على المسار الإيرانيّ.
ماذا ينوي ترامب حيال لبنان وإيران؟
لطالما ربط اللبنانيّون تشدّد “الحزب” الرافض سحب سلاحه شمال الليطاني بالتفاوض الأميركيّ الإيرانيّ. لذلك قفز إلى الواجهة أوّل من أمس قول ترامب في دافوس: “سأفعل شيئاً بشأن لبنان”. هل ما يقصده هو إعطاء الضوء الأخضر لإسرائيل لتنفّذ ما يسرّبه قادتها العسكريّون عن خطط لشنّ ضربات موجعة شمال الليطاني؟ أم يترقّب تجاوباً إيرانيّاً، وبالتالي من “الحزب”، مع تنفيذ المرحلة الثانية من خطّة الجيش؟
لفتت مصادر دبلوماسيّة أوروبيّة لـ”أساس” إلى أنّ تركيز الأنظار على إيران أتاح لإسرائيل أن تصعّد ضرباتها غير آبهة باستهداف مواقع مدنيّة. كانت النتيجة تهجير بضعة آلاف من السكّان شمال النهر، الأربعاء الماضي.
مبالغات إسرائيل بتبرير القصف
تلاحظ أوساط لبنانيّة رسميّة افتعال إسرائيل لمبرّرات قصفها المتواصل. يفسّر ذلك ما تردّد عن رفض بنيامين نتنياهو استمرار صيغة “الميكانيزم” بحضور الأمم المتّحدة وفرنسا. قيل إنّ واشنطن تميل إلى ذلك، لكنّ المصادر اللبنانيّة المواكبة لجلسات التفاوض تفنّد بعض هذه المبرّرات كالآتي:
– استطاع السفير سيمون كرم أن يكرّس مطلب عودة الجنوبيّين النازحين من بيوتهم وقراهم، تمهيداً لإعادة الإعمار، العنوان الأساسيّ في الجانب الاقتصاديّ للمفاوضات. سلّم الجانب الأميركي بأحقيّة هذا المطلب باتّصالات جانبيّة، بعدما شدّد كرم على أنّه إذا لم يكن من عودة للنازحين فلبنان يفضّل الأسوأ. بعد الجولة الأولى في 8 كانون الأوّل، بدا موقف نتنياهو مرناً بإشارته إلى إيجابيّات التفاوض. لكنّ المفاوض الإسرائيليّ ركّز على مطالب أمنيّة متشدّدة يعتبرها الأساس.
– أكثرت تل أبيب من الترويج لاستمرار “الحزب” بتلقّي الأموال من طهران والحديث عن تلقّيه مليار دولار، فيما اعتبر الأميركيّون أنّه يتلقّى 60 مليون دولار شهريّاً. لكنّ المصادر اللبنانيّة الرسميّة تشير إلى أنّ من يتجوّل جنوباً يكتشف أنّ هناك مبالغات في الأرقام الماليّة، إذ لا مظاهر تدلّ على إنفاق بل على ضيقة واضحة.
– مقابل تسليم “اليونيفيل” والجانب الفرنسي وحتّى الجانب الأميركيّ بأنّ الجيش أبلى بلاءً حسناً جنوب الليطاني، رفض الجانب الإسرائيليّ النصّ في بيان “الميكانيزم” على نجاح “السيطرة العملانيّة” للجيش جنوب الليطاني.
تسجّل مصادر فرنسيّة لـ”أساس” أنّ بعض الداخل اللبنانيّ ساهم في إثارة اللغط حول عدم جدوى استمرار “الميكانيزم” بالحديث عن فشلها في منع إسرائيل من خرق اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة. لكنّ المراجع اللبنانيّة الرئيسة، أي الرؤساء الثلاثة، تمسّكوا ببقائها، وبصيغة التفاوض برئاسة السفير كرم.
إزاء تسريبات أوساط لبنانيّة وإعلاميّة بأنّ الخلاف الأميركيّ الفرنسيّ علّق اجتماعات “الميكانيزم”، اعتبرت مصادر رئاسيّة فرنسيّة في باريس أثناء إيجاز إعلاميّ أن لا خطط لإلغاء “الميكانيزم”. يؤكّد الجانب الفرنسيّ أنّ المناقشات أفضت أخيراً إلى تدعيم اللجنة بعدد من المعايير لمراقبة تطبيق اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة، بانتظار خطّة الجيش للمرحلة الثانية من سحب السلاح شمال الليطاني.
ذكّرت مصادر الرئاسة الفرنسيّة بالتعاون الفرنسيّ الأميركيّ السعوديّ للدفع إلى تطبيق الاتّفاق، ولتحديد مؤتمر دعم الجيش في باريس في 5 آذار المقبل بتعاون الدول الثلاث مع مصر وقطر.
رفع مستوى التّفاوض “بلا تردّد”
بين المسؤولين المعنيّين بالتفاوض على تطبيق اتّفاق 2024 لوقف الأعمال العدائيّة من يعتقد بأنّ تحريك لجنة “الميكانيزم” يتطلّب رفع مستوى التفاوض إلى المرتبة الوزاريّة، أسوة بما يحصل بين سوريا وإسرائيل. على الرغم من أنّ هؤلاء المسؤولين يؤكّدون أنّ تل أبيب لم تطرح المطلب بشكل رسميّ، وأنّ مقاربته ما تزال بعيدة، كان لافتاً أنّ تصريح سلام يهيّئ لخطوة ما، إذ قال: “الأمر يتوقّف على التطوّرات. لا مانع لدينا أبداً من إشراك مدنيّين آخرين، ويمكن إشراك رجال قانون، إذا اقتضى الأمر، أو طوبوغرافيّين، وسبق أن شارك مدنيّون في مفاوضات الحدود البحريّة. نحن منفتحون على ذلك بلا تردّد”.
وليد شقير- اساس