🔔خاص شدة قلم: بيانات ببصمة “أبو عمر”: إعلام يصنع الرواية لا بلباس أمير..بل بلباس خبر!

في لبنان، لا تُقاس حرارة السياسة بما يُقال على الطاولات، بل بما يُسرَّب في الكواليس وما يُضخَّم على الشاشات. زارنا الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان قبل أيام، فاشتعلت ماكينة التغريدات، وتسابقت الأقلام لتثبيت روايات متناقضة: “بيانات نيابية ناعمة” تتحدث عن “لقاءات إيجابية”، مشحونة بالمعنويات وربت الأكتاف، تقابلها مواقع إلكترونية “مصدريّة”، تروي “قصص توبيخ وبهدلة وتأنيب”، وكأنّنا أمام مسرحيتين “هزليتين” تُعرضان في التوقيت نفسه، وعلى خشبة مسرح واحد.
والسؤال البديهي الذي يطرحه المواطن اللبناني: من نُصدّق؟
بين الأمير الحقيقي والأمير الوهمي
المفارقة أنّ أسماء عدد من النوّاب الذين حرصوا على الإشادة بأجواء اللقاء، كانت قد مرّت سابقاً في فضيحة “الأمير الوهمي أبو عمر” – أو مصطفى الحسيان العكاري الفقير الذي أعماه المال، ولم ينل منه شيئاً، فادّعى أنّه أمير سعودي – ونترك للتحقيقات باقي الرواية، خاصة بعد المعلومات المتواترة عن فتح خزائن الوهم على مصراعيها، وسحب أموال وملايين من سياسيين وشخصيات، واعداً إيّاهم بالأحلام والمناصب نتيجة قربه من الديوان الملكي، قبل أنْ يسقط الوهم!!
اليوم، وبعد زيارة “الأمير الحقيقي”، يمكن قراءة الفضيحة ليس بوصفها حادثة عابرة، بل كمرآة تعكس طريقة اشتغال السياسة والإعلام معاً: أبواب رسمية موجودة، لكن طرق الالتفاف أكثر إغراءً؛ وقنوات واضحة، لكن المواربة أريح. وكأنّ الرسالة غير المعلنة تقول: من سقط في فخ الوهم مرة، يخشى الحقيقة مرتين.
إعلام الروايات المتوازية
هنا يبدأ “أبو عمر” الجديد بالظهور، لا بلباس أمير، بل بلباس خبر. جريدة “تدّعي”، موقع “يؤلّف”، مصدر “يُكذّب”، أوساط “تزعم”، وتسريبات “تنفي وتؤكد في آن”. لكل منصة روايتها، ولكل رواية جمهورها، والكلّ يخرج رابحاً: لا أحد يُدان، ولا أحد يُحاسَب، وعلى قاعدة “لا غالب ولا مغلوب” تُطوى الصفحة حتى إشعار آخر.
في هذا الكرنفال الإعلامي، لا تُختبر الحقيقة بقدر ما تُختبر القدرة على تدوير الزوايا. السياسي يقرأ المشهد على ذوقه، والإعلام يقدّمه على هوى مموله، والجمهور يُستدعى للتصفيق أو الغضب بحسب الحاجة. أما الوقائع، فتجلس في الصف الخلفي، تنتظر دورها الذي لا يأتي.
السياسة “فنّ التبرير”
البيانات الرسمية تُتقن لغة التطمين: “إيجابية، بنّاءة”، “مُشجّعة وحريصة على إنقاذ البلد”. كلمات ملساء، تصلح لكل المناسبات، وتُستهلك بسرعة قياسية. في المقابل، الأخبار المسرّبة تُتقن لغة الصدمة: “توبيخ، إهانة ورسائل قاسية”. وبين اللغتين، يُدفن السؤال الأساسي: ماذا قيل فعلاً؟ وماذا سيُترجم أفعالاً؟
لكن في لبنان، السؤال الأخطر ليس “ماذا قيل”، بل “كيف سيُروى”، فالرواية هي العملة الصعبة، ومَنْ يمتلكها يمتلك القدرة على النجاة السياسية. هكذا يصبح الكذب ملحّ الطبخة السياسية: بدونه لا تُستساغ، ومعه تُخفى النكهات الفاسدة.
إلى متى سنرتضي الخداع؟
لسنا أمام “أبو عمر” واحد، بل أمام نسخ متعدّدة: أمير وهمي أمس، وإعلام وهمي اليوم، وسياسة تتقن فنّ إنتاج الأوهام غداً. المواطن اللبناني محاصر بين روايات متضاربة، يُطلب منه أن يختار ما يريحه، لا ما يقرّبه من الحقيقة.
في بلدٍ اعتاد تدوير الزوايا، قد لا يكون السؤال “مَنْ نُصدّق؟” بل “إلى متى سنقبل أنْ نُخدَع؟”، إلى أن يأتي ذلك اليوم، سيبقى الكذب ملحّ السياسة اللبنانية، وسيبقى “أبو عمر” بألف اسم وشكل، ضيفاً دائماً على موائدنا الإعلامية.

مصطفى شريف – مدير التحرير



