🔔ماذا ينتظر لبنان في 2026… من إستحقاقات مصيرية؟

يواجه لبنان في عام 2026 استحقاقات مفصلية تتجاوز بعدها الزمني لتلامس جوهر الكيان والدولة. فهي ليست مجرد مهل زمنية لحصرية السلاح ومواعيد دستورية أو إصلاحات مؤجلة، بل محطات حاسمة ستحدد ما إذا كان البلد قادراً على الانتقال من منطق إدارة الانهيار إلى منطق إعادة بناء الدولة، أو الاستمرار في الدوران داخل حلقة الشلل والتسويات المؤقتة.

ويبقى ملف الأمن المتمثل بحصرية السلاح بيد الدولة، العنوان الأبرز والأكثر حساسية في هذه السنة لوقف الازدواجية العسكرية بين القوى الأمنية الشرعية و«حزب الله» الذي يرفض الانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة حصرية السلاح شمال نهر الليطاني قبل تنفيذ إسرائيل التزاماتها بوقف الأعمال العدائية والانسحاب من النقاط المحتلة وتحرير الأسرى، ما يعني تعريض البلاد لمخاطر تصعيد إسرائيلي خصوصاً في ضوء ما تنقله وسائل إعلام إسرائيلية عن رفع الجيش الإسرائيلي جهوزيته تحسباً لاحتمال مهاجمة «حزب الله» بعدما رأت المؤسسات الأمنية في تل أبيب أن الخطوات الجارية في لبنان لنزع سلاح الحزب لا تلبي شروط وقف إطلاق النار.

وأبت إسرائيل إلا أن تفتتح السنة الجديدة بسلسلة من الغارات الجوية على الجنوب، ضاربة أمل اللبنانيين بسنة يسودها الأمن والاستقرار من خلال رسائلها التصعيدية بدل الالتزام بموجبات اتفاق وقف الأعمال العدائية، في وقت مازال لبنان يترقّب ما سيقدم عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غداة محادثاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإذا كان حصل على ضوء أخضر من ترامب لتوسيع العمليات العسكرية ضد «حزب الله» بعد تصريح الأخير المشكك بقدرة الحكومة اللبنانية على حسم الأمور في ما يتعلق بنزع السلاح.

مالياً، بات لبنان أمام استحقاقات تشريعية ومالية لا يمكن الهروب منها، وفي طليعتها مناقشة مشروع الفجوة المالية الذي يندرج تحت عنوان «الانتظام المالي واستعادة الودائع» بعد ما شهدته المصارف والمودعون من أزمة نتيجة السياسات المالية الفاشلة على الدعم والهندسات المالية. وسيكون المجلس النيابي أمام اختبار حاسم حول كيفية معالجة هذه الفجوة المالية في ضوء اعتراضات كتل نيابية وازنة ومؤشرات لعدم عبور آمن لهذا المشروع تحت قبة البرلمان من دون تعديلات جوهرية ولاسيما أن البلاد على عتبة انتخابات نيابية بعد أشهر قليلة.

وبدأت ملامح الكباش النيابي حول مشروع الفجوة بين الكتل النيابية الحزبية المعترضة وبعض نواب التغيير المؤيدين الذين يهاجمون من يسمونه «اللوبي المصرفي» ومحاولة تحميل الدولة وحدها مسؤولية الخسائر. ويرى نواب التغيير أن المعركة الحالية هي بين خيارين: الدولة أو المصارف. ويعتبرون أن الدولة هي الشعب اللبناني، وأن أموالها وأملاكها هي ملك اللبنانيين والأجيال القادمة، وليست ملكاً لمجموعة استفادت من النظام المالي وراكمت أرباحاً هائلة نتيجة سياسات مالية وعمليات غير مشروعة ثم تهرّبت من المحاسبة وتطالب اليوم بإعفائها من أي مسؤولية.

ولا تقلّ المعركة حول قانون الانتخاب واقتراع المغتربين أهمية عن المعركة حول الفجوة المالية، لا بل يمكن وصفها بـ «أم المعارك» لأن نتيجة الانتخابات النيابية المقبلة ستحدد التوازنات السياسية في البلد. من هنا، يأتي اعتراض الثنائي الشيعي و«التيار الوطني الحر» على اقتراع المغتربين في الخارج لـ 128 نائباً في دوائرهم لئلا تصب هذه الأصوات لمصلحة القوى المناوئة لهم، فيختل التوازن داخل المجلس أكثر فأكثر لمصلحة الفريق السيادي. وما يخشاه ثنائي «حركة أمل» و«حزب الله» هو أن تؤدي الانتخابات المقبلة إلى إحداث إختراق في الكتلة الشيعية المؤلفة من 27 نائباً يتوزعها حالياً «الحزب» و«الحركة» حصراً خلافاً لما كان يحصل من تنوع قبل قانون الانتخاب الحالي، إذ كانت كتلة الرئيس رفيق الحريري وبعده كتلة الرئيس سعد الحريري تضم نواباً شيعة بينهم باسم السبع، غازي يوسف، عقاب صقر، أمين وهبه، فيما ضمّت كتلة «التيار الوطني الحر» النائب عباس هاشم، وكان هناك نواب مستقلون مثل الرئيس حسين الحسيني ثم شقيقه مصطفى الحسيني ومحمد يوسف بيضون.

وما لا يقل أهمية عن الانتخابات النيابية هو مَن يكون رئيس الحكومة المقبل؟ فعودة الرئيس نواف سلام غير مضمونة بسبب وقوف الثنائي الشيعي ضده في الأصل، وبسبب تراجع «التيار الوطني الحر» عن دعم تسميته بعد الامتناع عن توزير عونيين في الحكومة الحالية إضافة إلى عدم الجزم بحجم كتلة نواب التغيير التي ستعود إلى مجلس 2026 بعد الخيبة التي مُني بها البعض جراء التصويت لبعض النواب الـ 13. ومن الأسماء المرشحة لرئاسة الحكومة يبرز مجدداً إسما النائب فؤاد مخزومي والنائب أشرف ريفي عن الفريق السيادي وإسم الرئيس نجيب ميقاتي المَرضي عنه من الثنائي الشيعي، لكن أياً من هذه الأسماء بمَن فيها الرئيس نواف سلام لا يمتلك منذ الآن الأكثرية المرجحة والمضمونة، وهذا ما يدفع البعض إلى تأجيل الانتخابات النيابية تحت عنوان تقني لشهرين أو إلى الضغط لتمديد ولاية المجلس سنتين ما يضمن بقاء الرئيس نبيه بري في رئاسة المجلس وبقاء الرئيس نواف سلام على رأس الحكومة. أما الأسباب الموجبة للتمديد فهي عديدة منها أولاً رفض الرئيس بري إدخال تعديلات على القانون الحالي وثانياً عدم إمكانية إجراء الانتخابات على هذا القانون إضافة إلى امكانية التذرّع بالتصعيد الإسرائيلي ضد لبنان.

وفي حال حصول مثل هذا التمديد لن يكون لمصلحة عهد الرئيس جوزف عون ولن يكون فرصة لإعادة إنتاج السلطة على قاعدة المحاسبة والمساءلة.

سعد الياس- القدس العربي

مقالات ذات صلة