🔶المخزومي يرفع إصبعه الأوسط بوجه بولا يعقوبيان…والاخيرة ترد : لو رأيته.. لمسحتُ الأرض به!
الذكورية أمر بشع لأنها تُستخدم كأداة تقويض سياسية بحق النساء

لم يكن النقاش في لجنة المال والموازنة يدور حول شؤون سياسية، ولا حول اشتباكٍ بين محاور أو اصطفافات، حين وجّه النائب فؤاد مخزومي إهانة لزميلته النائبة بولا يعقوبيان…
كان نقاشاً بارداً، تقنياً، عن حجرٍ وإسمنتٍ وملفات ترميم. قصور العدل، تلك المباني المتشققة، كما العدالة نفسها، كانت على جدول البحث: من يموّل ترميمها؟ ومن يتحمّل الكلفة في دولةٍ مفلسة؟
جلسة عادية، جافة، إلى أن قاطعتها نكتة. قالت النائبة بولا يعقوبيان: “يتبرع أبو عمر.. عامل ملايين”. أبو عمر، الأمير الوهمي، الاسم الذي تحوّل خلال الأيام الماضية إلى مرادف لفضيحة سياسية مكتملة الأركان: رجل اخترع لنفسه سلطة ونفوذاً، فأغدق عليه سياسيون ونواب طامحون، سعياً وراء ولاءات موهومة ومكاسب لم تأتِ.
ضحك بعض النواب. ضحكٌ سريع، عابر، أشبه بضحكة تواطؤ أو إحراج. لكن الضحكة لم تُقفل المشهد، بل فتحته على ما هو أعمق.
إصبع بدل ردّ
وتقول النائبة يعقوبيان لـ”المدن” إن مخزومي رفع إصبعه الوسطى باتجاهها. لم تنتبه يعقوبيان فوراً. نُبّهت لاحقاً. توجّهت إلى رئيس اللجنة، إبراهيم كنعان. كان الرد، كما تنقل: “لم أعرف كيف أتصرف، لديّ موازنة ووقت ضيّق”.
بين وقت محشور وإهانة ممدودة، اختارت يعقوبيان الانسحاب من الجلسة. لا لأن المسألة شخصية، بل لأن ما حصل تجاوز حدود السجال السياسي إلى شيء آخر.
تقول بلا تردّد: “من حسن حظّه أنّني لم أنتبه في اللحظة نفسها إلى ما فعله، لأنّني لو انتبهت في تلك اللحظة، لمسحتُ الأرض به. لكن في تلك اللحظة لم أدرك الأمر، وحين عرفت لاحقاً، لم أعرف كيف أتصرف”.
تضامن
لم يبقَ المشهد فردياً. تضامن نواب آخرون مع يعقوبيان، بينهم النائبة حليمة القعقور، التي دانت التصرف علناً. أما مخزومي، فاختار النفي. نفي الحركة. كما كان قد نفى سابقاً دفع المال لأبو عمر. بالنسبة ليعقوبيان، المسار واحد: “كان ينفي أنّه دفع أموالاً لأبو عمر، وهو اليوم ينفي هذه الحركة أيضاً. من الواضح أنّه تلقّى ضربة كبيرة”.
لكن القصة، بالنسبة إليها، لا تتوقف عند إصبع. تطالب بفتح كاميرات المجلس، كاميرات الهيئة العامة الموجودة أصلاً. لا للتشهير، بل لكشف الحقيقة. “الكذب بعد اللي صار ليس الحل”، تقول، معتبرة أن الشفافية وحدها قادرة على وضع حدّ لهذا النوع من السلوك.
أبعد من حادثة: نمط متجذّر
ما حصل، في نظر يعقوبيان، ليس حادثة عابرة ولا انفعال لحظة. هو نمط. “الذكورية أمر بشع، ولا يجوز السكوت عليه”. ليس لأنها موجّهة ضد امرأة فقط، بل لأنها تُستخدم كأداة تقويض سياسية بحق النساء.
تقول يعقوبيان: “أي معارض حقيقي، يتعرّض لقصف مستمر. لكن حين يكون المعارض امرأة، يتغيّر شكل القصف: تهديد بالشرف، بالعرض، بمحاولات إخضاع وكسر، لا لإسكات الرأي فقط، بل لتدجينه”.
الصمت، في هذا السياق، ليس حياداً. هو تواطؤ. تضيف: “إذا صمتنا، فما الرسالة التي نوجّهها إلى الشابات اللواتي يرغبن في دخول الشأن العام؟”. رسالة تقول إن السياسة حكر، وإن الثمن على المرأة مضاعف. وهي قررت، منذ اليوم الأول، أن هذا السلاح لن يُستخدم معها “هذا الموضوع يقوّينا، لا يضعفنا”.
دعم عائلي… شرط البقاء
تعترف يعقوبيان بأن هذه القوة ليست فردية. لا امرأة تستطيع دخول الحياة السياسية من دون شبكة أمان. عائلة داعمة، محيط قريب، ووعي مسبق بكيفية الهجوم على المرأة في المجال العام. “لا تستطيع أيّ امرأة دخول الحياة السياسية ما لم تحظَ بدعم عائلتها وزوجها، ولا سيّما في مثل هذه القضايا”.
لبنان، كما كثير من دول العالم الثالث، ليس استثناء. الفارق فقط في الأساليب، وليس في الجوهر. في بلد اعتاد تكسير المعارضين، يبدو أن المعركة لم تعد محصورة بالسياسات والبرامج. هي معركة حول الحق في الكلام من دون إهانة، وعلى أن تكون المرأة في الشأن العام مواطنة كاملة، لا هدفاً سهلاً لإصبعٍ مرفوع… ولا تستهدفها محاولات الإسكات.

المدن
