خاص – مفاوضات على أنقاض السيادة والأرض القابلة للقصّ واللصق: مَنْ يوقف عجلة الإخضاع الأميركي – الإسرائيلي؟

 

في لحظة سياسية حسّاسة من عمر الكيان اللبناني، وفيما تتكثّف الضغوط على لبنان، تأتي التصريحات الأميركية والإسرائيلية لتكشف حقيقة النظرة التي تُكنّها هذه العواصم لهذا البلد الصغير: نظرة تُعامله كمساحة يمكن إعادة رسمها، لا كدولة ذات سيادة وكيان.

ما قاله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، وما سبقه من مواقف للموفد الأميركي توم براك، ليس مجرد زلات لسان أو سوء تقدير دبلوماسي؛ بل انعكاس لذهنية استعمارية ما زالت تتعامل مع لبنان وسوريا والمنطقة برمّتها كأرض قابلة للقصّ واللصق وفق ميزان المصالح الإسرائيلية.

الرضوخ.. وإلاًً!!

السفير الأميركي يؤكّد بلا مواربة أنّ بدء المفاوضات المدنية بين لبنان وإسرائيل “لا يعني توقف إسرائيل عن هجماتها”، وأنّ تل أبيب تفصل تماماً بين التفاوض وبين الحرب الدائرة في الجنوب. وكأنّ واشنطن تريد أن تقول للبنانيين إنّ الحرب عليهم لا تعني دولتهم، وإنّ صواريخ العدو التي تسقط على القرى والبلدات ليست شأناً وطنياً، بل مسألة تخصّ طرفاً واحداً.

هذه المحاولة لتقسيم اللبنانيين إلى درجات، وفصل أمن الدولة عن أمن شعبها، ليست إلا تمهيداً لفرض شروط على طاولة التفاوض، تقوم على إفهام لبنان بأنّ عليه الرضوخ لما يُعرض عليه ولو بالنار.

من الوشاة إلى الأدوات

بل وزاد السفير الأميركي الأمر وضوحاً حين قال من عين التينة بأنّ “بعض الأشياء تصل إلى واشنطن بصورة مشوّهة”، في إشارة إلى “الوشاة” الذين يقدّمون تقارير غير واقعية.

لكنّ هذه الجملة، التي أراد منها التخفيف، جاءت بمفعول عكسي، فواشنطن تعرف تماماً ما يجري في لبنان، لكنها تستخدم “الأدوات” المحليين ساعة تشاء، وتتبرّأ منهم ساعة تشاء، وتُلقي عليهم اللوم حين تحتاج إلى تجميل صورتها.

هذا السلوك ليس جديداً؛ إنّه جزء من سياسة ثابتة تهدف إلى إدارة المشهد اللبناني عبر شبكة نفوذ محلية تبقى قابلة للاستبدال عند أول منعطف.

حلول برّاك الوهمية

وفي السياق ذاته، يطلّ توم برّاك بين الحين والآخر بخطاب يتعامل مع الكيانات في المنطقة كأنها وحدات قبلية يمكن ضمّها أو فصلها أو توزيعها وفق خريطة يضعها هو ومن يمثّلهم.

يتصرّف برّاك كما لو أنّ لبنان وسوريا جزء من عقاراته الخاصة، يقرّر مصيرهما تحت عنوان “حلول” لا تتعدى كونها مشاريع إعادة هندسة سياسية واجتماعية وفق الطلب الإسرائيلي. هي ليست دبلوماسية بقدر ما هي إحياء لشبح الانتداب، مع فارق أنّ أدواته اليوم أكثر وضوحاً ووقاحة.

على ماذا نفاوض؟!

أمام هذا المشهد، يصبح السؤال جوهرياً: على ماذا يتفاوض لبنان؟

إذا كانت إسرائيل تعتبر أن الحرب منفصلة عن التفاوض، وأنّ الدولة اللبنانية ليست معنية بما يجري على أرضها، وإذا كانت واشنطن تقارب الملف بمنطق تقطيع الخرائط وتوزيع الأدوار، فكيف يمكن لأي مسار سياسي أن ينتج شيئاً غير تكريس الأمر الواقع تحت القصف؟

المشكلة لم تعد فقط في الضغوط الخارجية، بل في قابلية الداخل للتسليم بها، ليبقى السؤال الأكثر إيلاماً: إلى متى سيبقى لبنان حبّة قمح بين رحى الأطماع الأميركية والإسرائيلية؟، وإلى متى سنُهرس مرّة باسم التفاوض، ومرّة باسم الأمن، ومرّة باسم “الحلول” المزعومة!!!

خاص Checklebanon

مقالات ذات صلة