خاص شدة قلم: من تحت ركام الألم…”ميلاد المسيح” يُعيد نبض المدن!

أما ونحن نُقفل أبواب 2025 لنستقبل 2026.. بما ستحمله من خيرات أو ويلات.. يحدونا أمل كبير بأنّ نكون ركّاب سفينة تعبر من ضفة اليأس إلى بر الرجاء.. فإذ بلبنان كشجرة أرز ميلادٍ أنهكتها العواصف وأتعبتها الثلوج والصقيع.. لكنها لا تزال صامدة وشامخة وجميلة تزيّن المجد المختبئ بالروح.. وتتحمّل الصعاب رغم الشرخ في الجذوع.. أو انكسارات الفروعٍ!!

مع اقتراب ميلاد السيد المسيح.. يعود النور ليُرمّم بالأفعال ما لا يُرمَّم بالكلام.. فتنبت الأرض في عز شتائها الطويل.. قيامة حقيقية من تحت ركام الألم.. كما نهض المصلوب من بين الأموات.. وكما جاء “ميلاد المسيح” مع وعدٍ بالفداء المُتجدّد في كل قلبٍ قبل أنْ يكون حدثاً في الروزنامة.
وفي لحظة تتقاطع العتمة مع بصيص النور.. نتذكّر أنّ من حمل صليبه وصعد الجلجلة إنما علّمنا أنّ لا قيامة بلا سقوط.. ولا خلاص بلا تضحيات.. ومع الميلاد، نكتشف أن النهوض قدرٌ كتبه الله للبشر كما كتبه للمسيح: أن نحمل صلباننا الصغيرة.. ونواصل المسير نحو فجرٍ لا بدّ أن يولد.
مدن تُزهر حياتها بقلب الشتاء
*ففي جبيل، يبدأ العيد قبل أنْ تُضاء شجرة واحدة.. هنا العتمة لا تُخيف أحداً.. لأنّ الضوء يتسرّب من الناس.. من ضحكة طفل يتشبّث بكفّ أمه.. من تاجرٍ يفتح محلّه كما لو أنّ البلاد بخير.. ومن بحرٍ يلمع في الليل كأنه صحنُ نجوم انسكب على الشاطئ.. جبيل لا تتزيّن بل تُصلّي.. وكلّ ضوء فيها هو شمعة تُرفع للسماء كي يبقى لبنان واقفاً.

*أما في البترون فلا شيء يحدث صدفة.. المتاجر تتهيأ كأنّها تعزف أنشودة مشتركة.. والمقاهي تفتح أبوابها برحابة قلب يشبه الأناشيد القديمة.. المدينة ترتدي ثوبها الأبيض من الأضواء.. والميناء يمدّ يده نحو الليل، يقول له: “اهدأ فالعيد قريب”.. في أزقتها الضيقة تمرّ رائحة البن مثل اعترافٍ دافئ.. وتبقى البترون مدينة تعرف كيف تُحوّل البساطة إلى طقوس.. والليل إلى حكاية.

*وإلى مغدوشة الجنوبية وراشيا البقاعية، حيث تعب الجنوبيين أعمق من الكلام، ووجع البقاعيين أكثر إيلاماً من الصبر يولد الميلاد من التفاصيل الصغيرة.
حبال ضوء تُمدّ فوق الطرقات.. لوحة أنوار تزين كنيسة.. شجرة ميلاد بما تيسّر.. وطفل يدور حولها كأنّه يطارد ملاكاً مرّ من هنا.. لا أحد يسأل عن كثرة الزينة أو قلّتها، لأنّ العيد في الجنوب والبقاع يبدأ من القلب قبل الساحة.. ومن الناس قبل الاحتفال.. هنا، الميلاد يشبه رغيفاً خرج للتوّ من فرن القرية.. “بسيط.. لكنه يُطعم الروح”.

بيروت.. قرية ميلادية في مدينة متعبة
ثم يأتي دور بيروت.. العاصمة التي لم تُغلق بابها للوجع.. لكنها لم تُقفله أيضاً للفرح.. ها هي تستعيد وسطها.. تُقيم قرية ميلادية للمرّة الأولى منذ سنوات.. كمَنْ يقول للعالم: “أنا لم أمُت.. أنا فقط أحتاج إلى ضوء إضافي..
في ساحة الشهداء.. ومواجهة لمسجد “محمد الأمين”.. نُصبت الشجرة.. تُحيط بها قرية ميلادية من الاكواخ الخشبية.. علّها تُعيد الأمل إلى قلب العاصمة.. الذي مزّقته التظاهرات والاعتصامات.. وأقفلت أبواب أرزاقه على مر السنين.. فتستعيد الشوارع التي سمعت صرخات الألم.. أناشيد الميلاد.. والساحات التي حملت وجع القنابل الدخانية.. سيعبق عطر أكاليل الغار الخضراء كأن المدينة تعيد لفّ جسدها بوشاحٍ من الحياة.
بيروت تعرف أنّ الجراح لا تُشفى بالإنكار.. بل بالنور.. ولهذا تُشعل نورَها في وجوه أهلها قبل شوارعها.. عيدٌ يولد في قلب بلدٍ لا يستسلم.. من جبيل إلى البترون، إلى مغدوشة وراشيا فبيروت وكل الوطن.. يبدو لبنان في ميلاد 2025.. رغم الإرهابي الصهيوني.. لوحة رسمها الرب بأنامل “فاعلي السلام”.

مصطفى شريف- مدير التحرير



