واشنطن سئمت من التسويف والمماطلة اللبنانية…والاسلوب «المتخاذل» في التعامل مع الحزب

يعيش اللبنانيون حالة من عدم اليقين والخوف منذ ان قرر حزب الله المشاركة في حرب اسناد غزة، واستمرت هذه الحالة بعد ان وقَّعت حكومة ميقاتي اتفاقية وقف اطلاق النار في 28 تشرين ثاني 2024، وذلك بفعل استمرار الاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، والتي لم تقتصر على جنوبي الليطاني بل امتدت لتشمل عمق الاراضي اللبنانية، وصولاً الى البقاع وبيروت.
لم تبدد زيارة البابا لاوون الرابع عشر للبنان اجواء الشك والرعب المسيطرة على الاجواء بالرغم من خطاب السلام والرجاء الذي حمله البابا اينما حل في زيارته، التي دامت لثلاثة ايام. وما زال معظم الذين التقيتهم من اعلاميين ومواطنين عاديين يسألون عن احتمالية شن اسرائيل لحرب جديدة على لبنان من اجل تدمير ما تبقَّى من ترسانة حزب الله، في ظل تقصير الدولة اللبنانية عن تنفيذ قرار حصرية السلاح واستعادة السيادة والذي اتخذه مجلس الوزراء في الخامس من شهر آب الماضي.
في مقابلة تلفزيونية، في اليوم الذي بدأت فيه زيارة البابا رأيت رداً على سؤال حول احتمالية شن اسرائيل لحرب جديدة بأن الحكومة الاسرائيلية لا تملك منفردة القدرة على اتخاذ مثل هكذا قرار، حيث انها تدرك بأن نتائجه تتعارض كلياً مع مشروع الرئيس ترامب لمنطقة الشرق الاوسط ومع الشراكات والاستثمارات الكبرى التي يخطط لها مع الدول الخليجية، وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية ودولتي الامارات وقطر، والتي أكدت عليها زيارة ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان الى البيت الابيض. من هنا يبدو لي بأن الرئيس ترامب لن يسمح بحدوث اية تطورات دراماتيكية مفاجئة او مخطط لها، وأن تخرّب على مشروعه الكبير مع دول المنطقة، بما في ذلك حرص ادارته على انجاح مساعي الحكومة السورية بقيادة احمد الشرع لفرض الاستقرار وتوحيد سوريا والعمل على اعادة البناء، بعد الغاء العقوبات الاميركية.
من أجل خدمة هذا المشروع وتأمين الانتقال الى المرحلة الثانية من اتفاق غزة بسلاسة وامان، صدرت عن واشنطن بعض المعلومات عن دعوة سيوجهها ترامب الى نتنياهو لزيارة جديدة الى البيت الابيض، حيث من المتوقع ان لا تقتصر المباحثات حول تنفيذ المرحلة الثانية مع اتفاقية غزة بل تتعداها الى البحث في توسيع العملية السياسية، وفتح الباب لاطلاق مشروع جديد للسلاح، يدفع باتجاه البحث بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، مقابل البدء بتطبيع العلاقات بين اسرائيل والمملكة العربية السعودية.
ومن المتوقع ايضاً ان يبحث ترامب مع نتنياهو مستقبل علاقات اسرائيل مع سوريا، مع تأكيد الرئيس الاميركي على حرصه لاعادة الاستقرار في سوريا، وفتح الباب امام الحكومة الحالية للسير قدماً في اعادة بناء الدولة، مستفيدة من القرار الاميركي في رفع العقوبات، ومن المساعدات العربية وخاصة السعودية للبدء باعادة اعمار البنى التحتية الاساسية التي دمرتها الحرب الاهلية.
من المرجح ان يطرح ايضاً خلال اجتماعات البيت الابيض وضع لبنان، وخيارات الحل للتخلص من بنية حزب الله العسكرية.
في اطار البحث عن حل للسلاح في لبنان من المتوقع ان يجري بحث في امكانية شن اسرائيل لعملية جوية واسعة، مع عمليات برية «جراحية» من اجل تدمير ما تبقَّى من الترسانة الصاروخية لحزب الله.
ويبدو بأن الادارة الاميركية تبذل مساعياً حثيثة من اجل منع حزب الله من اعادة بناء ترسانته، وهذا بالضبط ما هدفت اليه زيارات وزارة الخزانة الاميركية ومسؤولي الارهاب في البيت الابيض لدول المنطقة بدءاً من لبنان من اجل تجفيف المصادر المالية التي يمكن ان يستفيد منها حزب الله لاعادة بناء قدراته ومؤسساته التي دمرتها الحرب. وفي هذا السياق ايضاً يمكن وضع زيارة الموفد الاميركي طوم براك للعراق واجتماعه برئيس الوزراء العراقي، مؤكداً على اهمية قيام العراق بخطوات تساعد في تحقيق الاستقرار في سوريا، ومحذراً من امكانية قيام بعض فصائل الحشد الشعبي التابعة لايران بمساعدة حزب الله على اعادة بناء قدراته العسكرية وتحسين اوضاعه المالية. وكان براك على درجة عالية من الصراحة حيث حذر رئيس الوزراء السوداني من امكانية شن اسرائيل لعمليات قصف داخل العراق لقطع طرق التموين والتهريب باتجاه حزب الله في لبنان، ولمعاقبة الفاعلين.
في نهاية الامر فإن ما تسعى اليه الادارة الاميركية هو ايجاد الارضية لقيام علاقات مستقرة ومزدهرة بين سوريا واسرائيل، وسيتطلب هذا الامر اولاً، الحد من المطامع الاسرائيلية في احتلال جبل الشيخ واجزاء من ارياف القنيطرة، وصولاً الى ريف دمشق الجنوبي – الغربي. وتسعى اسرائيل بشكل ظاهر ومعلن الى توسيع عملياتها العسكرية من اجل اقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب غرب سوريا، وتحويلها الى أمر واقع، يمكن ان لا يلقى معارضة وضغوط اميركية.
بالعودة الى لبنان، وبعد انتهاء الاحتفالات الكبرى بزيارة البابا لاوون الرابع عشر، تعود الهواجس والمخاوف من عودة العمليات الاسرائيلية وبشكل اقوى وأشد من سابقاتها.
يبقى من المؤكد بأن الضغوط ستشتد على الدولة اللبنانية للقيام بالتدابير اللازمة سياسياً وعسكرياً لضبط حركة حزب الله السياسية والعسكرية، ولكن في رأيي الشخصي فإنه من المستبعد ان تفعل الحكومة خطواتها لاحتواء سلاح حزب الله وفق تصريحات رئيس الحكومة نواف سلام، وسيكون لبنان قريباً على موعد مع زيارة مورغان اورتاغوس القادمة من تل ابيب الى بيروت، وهي تحمل بالتأكيد تحذيرات واشنطن من الاستمرار في التعامل مع حصرية السلاح بشكل غير جدّي وغير مسؤول.
وتأتي زيارة اورتاغوس في الوقت الذي يقدِّم فيه قائد الجيش تقريره حول مدى التقدُّم في عملية حصرية السلاح. وليس هناك من امل في تحقيق اي تقدُّم على مسار استعادة السيادة من خلال الاسلوب «المتخاذل» الذي تتبعه الدولة في التعامل مع حزب الله او مع التصريحات الايرانية التي تشكل تحريضاً للحزب للاحتفاظ بسلاحه، وفي تحدياته شبه اليومية للدولة ولقراراتها.
الآن انتهت زيارة البابا للبنان، ومع زيارة اورتاغوس المنتظرة ستنتهي مفاعيل الدعوات للسلام ورسالة الرجاء لنعود الى العمل السياسي والدبلوماسي الجدّي، في ظل حالة من عدم المسؤولية والمبالاة لدى قيادة حزب الله حيال ما تقرره او تريده السلطة اللبنانية وتسعى اليه كل من اسرائيل والولايات المتحدة. في مطلق الاحوال تدرك السلطات اللبنانية ان قرار حزب الله ليس في حارة حريك بل في طهران، وليس لدى المسؤولين اية نيّة للمواجهة لاجبار كل من الحزب وطهران لتقديم التنازلات المطلوبة لاعادة فتح باب الحوار بين واشنطن والسلطات اللبنانية، ويبدو بوضوح بعد الغاء زيارة قائد الجيش لواشنطن ان المسؤولين هناك قد سئموا من منطق التسويف والمناورة الذي يعتمده لبنان.
العميد الركن نزار عبد القادر- اللواء



