خاص شدة قلم – رفيق الحريري “عريس بيروت”: لبنان الذي فقدناه… ووطنٍ اغتيل مرّتين!
"ما حدا أكبر من بلده".. فصار القول وصية..

لو أردنا أن نستذكره لاحتجنا أيامنا طويلة.. بل وأوراقاً لا يسعها عرض البحر.. وحبراً يسيل كشلال دموي نزف ولم يُعثر على وريده الجريح.. إنّه باني نهضة لبنان الحديث.. إنّه صورة “لبنان أوّلاً”.. إنّه لبنان الواحد والموحّد والقادر على مجابهة أعتى جبابرة العالم.. رغم حجمه الصغير وقدراته المعدومة.. لكنّه “لبنان رفيق الحريري”..
يوم أمس في الأوّل من تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، أطفأ لبنان شمعة رفيق الحريري “الغائبة الحاضرة”.. شمعة كانت لتبلغ عامها الـ81 لولا أنّ رياح الغدر قرّرت اغتيالها في الرابع عشر من شباط/ فبراير 2005.
في الأول من تشرين الثاني، نحن “شعب رفيق الحريري” لا نحتفل بعيد ميلاد “رجل عبر في وطن فأحياه من بعد موته”.. بل نستعيد زمن الحلم الذي صار ذكرى.. وأوجاع وطناً كان لينهض من بين الرماد على يدي رفيق الحريري.
من النور إلى الظلام!!
رغم أنّ صيدا “مسقط الرأس”.. لكنه حمل لبنان كلّه في قلبه ووجدانه.. ومن شوارعها الغارقة في القدم إلى عظمة الحداثة.. صعد “أبو بهاء” إلى “الرفيق الأعلى”.. تاركاً بيروت “عم تبكي ومكسور خاطرها”.. بعدما أعاد إليها وجهها العربي ودورها العالمي.. بعد حربٍ أكلت حجارتها وأحلام ناسها.. لكن جاء مَنْ يُشوّه هذا الوجه ويبعث بالدور المُشرق.. فغرقت بيروت في عتمة الأجندات وظلام المصالح والسمسرات والنهب والفساد..
لم يكن رفيق الحريري مُجرّد رئيس حكومة.. بل كان “فكرة وطنية” تمشي على قدمين.. كان “ابن الإنسان” الذي يستحق الحياة.. و”عريس بيروت” التي تمرّدت على موتها فنهضت من رمادها.. فحسدها الأقربون والأبعدون على هذا العريس.. فاغتالوه في عز الفرحة..
وطن الأرز وعابر الطوائف
كان “ابن صيدا البار” يعرف أنّ بناء الأوطان.. لا يبدأ من الحجر بل من الإنسان.. فبنَى المدارس قبل الأبراج.. والجامعات قبل المرافئ.. و”الكرامة قبل السلطة”.. فجعل من لبنان ورشة أملٍ مفتوحة على المستقبل.. حتى أصبح صوته على منابر العالم أكبر من مساحة بلده.. فعادت بيروت مركزاً للمؤتمرات وموئلاً للثقافة ومرفأً للأحلام.
لكن من عادة هذا الشرق المُلطّخ بالوجع.. أن يضيق بالنور والأمل والحياة.. فجاء مَنْ اغتال رفيق الحريري جسداً.. علّهم ينتهون منه إلى الأبد.. لكنّهم صُدموا بأنّ “الرفيق” يسري في الأوردة.. ويعبر الطوائف والأديان والانتماءات.. حتى صار لبنان أكبر من حدود الطوائف.. وأوسع من مقاسات الوصاية.. ونهضته شوكة في صدر كل من أراد لـ”وطن الأرز” أنْ يبقى “صغيراً وتابعاً ومسلوب الإرادة”..
ما حدا أكبر من بلده
منذ غيابه “الرفيق” لم تعد بيروت هي نفسها.. فاغتيلت مرّة أخرى بعدما جاء مَنْ يئد ثورة اللبنانيين في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.. ويُفجّر بيروت ويقتل أبنائها في 4 آب/ أغسطس 2020.. ويُدخلهم في “حرب إسناد” لا دور لهم فيها إلا الخضوع في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.. فتحوّلت كما كل لبنان إلى أرض مُستباحة للعدو الصهيوني بدءاً من 17 أيلول/ سبتمبر 2024.. ومازال النزيف مُستمراً بعدما انهارت الجدران التي رفعها الأمل.. وتكاثرت فوقها رماد الأزمات..
قال ذات يوم: “ما حدا أكبر من بلده”.. فصار القول وصية.. والبلَد يتيماً يبحث عمَّنْ يرفق به.. فينظر إلى مرآته ولا يرى إلا غياب الأب والمشروع.. وهيمنة الفراغ الذي لم يملأه أحد.
في ذكرى ميلاد رفيق الحريري نأمل باستعادة زمن الدولة لا المزرعة.. زمن الإعمار لا الانهيار.. زمن الرجل الذي آمن بأن هذا البلد لا يُبنى بالحقد بل بالمحبة والحلمٍ الذي كان لينجو لو أنّ أبناء هذا الوطن أحبّوه كما أحبّه رفيق الحريري..
رحم الله مَنْ أعاد للبنان مجده فدفع حياته ثمناً.. ومَنْ أصبح يوم ميلاده محطة.. نبكي فيها على وطنٍ اغتيل مرّتين: مرّةً برحيله، ومرّةً بما تلاه من صمتٍ وانكسار.
مصطفى شريف – مدير التحرير



