موقف لبنان ثابت لا يتغير… ولو اشتدّ التهويل

"من لا يعترف بإسرائيل لن يفاوضها مباشرة"

تكثر التحليلات حين يرتبط الموضوع بالتفاوض مع إسرائيل وإمكانية التصعيد، وما يرافق ذلك من تهويل يطال الشعب اللبناني، والجنوبيين خصوصاً. فبعد زيارة رئيس مجلس النواب نبيه بري الأخيرة لبعبدا ولقائه رئيس الجمهورية جوزاف عون، للبحث في ملف التفاوض مع إسرائيل، تفيد مصادر مطلبة بأن الرئيس بري حاول إقناع رئيس الجمهورية بعدم صوابية السير بخيار التفاوض المباشر.

تؤكد مصادر في فلك الرئاسة الثانية لـ “المدن” أن ملف التفاوض حضر في اللقاء الأخير، وتقول إنه من البديهي أن يكون هذا الملف حاضراً كطبقٍ رئيسي نظراً لأهميته وحساسيته، لكنه لم يكن الوحيد، ولا حتى الملف الأول في اللقاء، بل هناك مواضيع عدة طرحها الرئيس نبيه بري، وهي: إعادة الإعمار، والانتخابات النيابية المقبلة، والوضع الأمني والعسكري، ولا سيما ما يتعلق بالخروقات الإسرائيلية الأخيرة، إضافة إلى ملف المفاوضات وملف لجنة “الميكانيزم”.

ملف الإعمار في صدارة الاهتمام

تضيف المصادر أن أبرز ما تم النقاش حوله هو ملف الإعمار، لأنه يشكل الهاجس الرئيسي لرئيس المجلس، الذي لن يقبل أن يبقى الجنوبيون دون مأوى، وخصوصاً أبناء القرى الحدودية، ولن يسمح بإهمال هذا الملف أو تركه عرضةً للشعبوية والمتاجرة السياسية. وتعيد المصادر التذكير بأن رئيس المجلس كان قد وجه في وقت سابق سهام الانتقاد بشكل مباشر إلى الحكومة في ما يخص هذا الملف، وهو لن يتوانى عن إبقائه ملفاً أوّل ومطلباً أساسياً.

وفي هذا السياق، تشير المصادر لـ”المدن” إلى أن الرئيس بري قدم اقتراحاتٍ عدة في هذا السبيل إلى رئيس الجمهورية، الذي رحب بها وأكد أنه سيقوم بدراستها. وقد شوهد إلى جانب الرئيس بري خلال اللقاء ظرف مغلق يُرجّح أنه حمل تلك الاقتراحات. وهنا يمكن القول إن ملف الإعمار تقدم على ملف المفاوضات في جدول البحث، على الرغم من إدراك عين التينة أن الملفين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، ولا يمكن الحديث عن أحدهما دون الآخر.

موقف حاسم من المفاوضات مع إسرائيل

وفي ما يتعلق بملف المفاوضات، تؤكد مصادر الرئاسة الثانية لـ”المدن” أنه لا توجد أي أفكار تؤيد فتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ومن يروج لهذا الأمر إنما يروج لما في نفسه وأمنياته. وتشير إلى أن رئيسي الجمهورية والمجلس متفقان على أن التفاوض يجب أن يبقى غير مباشر وبشخصيات عسكرية حتماً، وهو ما أثبت فعاليته في فترات سابقة، ولا سيما في ملف ترسيم الحدود البحرية.

وتنفي المصادر أن يكون بري قد توجه إلى بعبدا بقصد إقناع عون بتغيير وجهة نظره في ملف التفاوض، إذ إن رئيس الجمهورية ليس بعيداً في موقفه عن فكرة رئيس المجلس. وتوضح أن ما رُوّج حول هذا الأمر غير صحيح، مؤكدة أن الطرفين جددا تمسكهما بأن لجنة الميكانيزم التي نص عليها الاتفاق الأخير، والذي تضمن وقف الأعمال العدائية، هي الجهة المعنية اليوم، ولا قفز فوقها.

وتضيف المصادر أن إسرائيل، إذا كانت ترغب في فتح مفاوضات مباشرة مع لبنان وتسعى لذلك عبر الضغط العسكري والتهويل الأمني، فإن موقف لبنان ثابت لا يتغير: مفاوضات غير مباشرة فقط، بهدف الوصول إلى وقف الأعمال العدائية والخروقات الإسرائيلية المتكررة.

لا ضغوط حكومية لفتح مفاوضات مباشرة

كما تنفي المصادر وجود أي معطيات تشير إلى أن رئيس الحكومة نواف سلام يضغط باتجاه فتح مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لتجنب تصعيد عسكري محتمل. وتصف هذه الادعاءات بأنها “من وحي خيال المؤلف والناشر”. وتؤكد أن لبنان، برئاساته الثلاث، متفق على ضرورة التفاوض ولكن بالصيغة المعتمدة سابقاً، ولا علم لعين التينة بأي رغبة أخرى. وتختم المصادر هذا الجزء بقولها: “من لا يعترف بإسرائيل لن يفاوضها مباشرة”.

الانتخابات النيابية المقبلة: لا تأجيل ولا تمديد

وتشير المصادر في حديثها إلى أن ملف الانتخابات النيابية كان أيضاً من المواضيع التي تم طرحها خلال اللقاء، حيث جرى تأكيد مشترك على ضرورة إجرائها في موعدها الدستوري ورفض أي فكرة للتمديد أو التأجيل. وتشدد المصادر على أن بري ثابت على موقفه ولن يغيره ولن يتساهل فيه، فالانتخابات ستجري وفق القانون الحالي الذي اختارته الأكثرية التي انقلبت عليه اليوم، ولا يمكن تعديله أو السير بأهواء من يشنون الحملات ضده حالياً.

وتضيف المصادر قائلة: “مهما تعالت وتزايدت الحملات، فإن من يشنها يعلم علم اليقين أن هذه الضغوطات لا تنفع مع بري، الذي عايش ما هو أقسى منها، ولن تعنيه مثل هذه الأصوات في شيء”. وتشير المصادر إلى أنه من البديهي ألا يقبل الثنائي الشيعي بما يُطرح، فهل يُعقل أن يقبل بجرّه إلى هذا الفخ، وهو يعلم تماماً صعوبة حصد نتائج جيدة في انتخابات الخارج نظراً للقيود والتهديدات التي تلاحق مناصريه في حال انتخبوه، وعدم قدرته على إقامة حملات انتخابية على مبدأ تكافؤ الفرص مع الآخرين؟ وعليه، فإن الموقف محسوم ولن يتغير.

الوضع الأمني… بين التهويل والحقيقة

وتتابع المصادر مؤكدة أن بري يعلم جيداً أن الأوضاع الأمنية ليست على ما يرام، وأن التهديد الإسرائيلي مستمر، لكنها تنسب كل ما يتم تداوله إلى حملة تهويل على الشعب اللبناني. فالخروقات لم تتوقف، والطائرات المسيّرة لا تغادر الأجواء اللبنانية، وما تقوم به إسرائيل في الجنوب يندرج أساساً في إطار الحرب المستمرة على لبنان.

أما في ما خص احتمال التصعيد العسكري، فتؤكد المصادر أنه لا توجد أي معطيات تشير إلى ذلك، وأن أي ضغط، مهما بلغ شأنه، لن يجبر لبنان على الرضوخ لمطالب إسرائيل. فلبنان نفذ ما عليه من التزامات، والدور الآن على إسرائيل.

وتسأل المصادر: “هل من المنطقي، بعدما جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عدداً كبيراً من الرؤساء في شرم الشيخ لإنهاء حرب غزة، أن يسمح بشن حرب كبرى على لبنان، وهو الذي قال إن زمن السلام في الشرق الأوسط قد بدأ؟” وتستدرك المصادر بالقول: “لا يعني ذلك أننا نثق بأميركا، ولكن المنطق يفرض نفسه.” وتختم بالإشارة إلى أن أحداً لا يعلم ما يحمله الغد، ولكن الواجب اليوم هو العمل لوقف الاعتداءات والخروقات، والمباشرة بإعادة الإعمار.

لا تفاوض مباشر ولا تطبيع… هذا هو الموقف اللبناني

لا تفاوض مباشر مع إسرائيل، ولن يُسمح بأي شكل من أشكال تطبيع العلاقات. هذا هو موقف لبنان الرسمي اليوم. فالتصعيد الإسرائيلي لن يجبر لبنان على ما لا يقبل به، وكل الحملات الإعلامية والسياسية الدائرة تندرج في خانة التهويل على الشعب ومحاولة جذب الانتباه.

إن الاحتياط واجب، لكن التهويل حرام. والوضع الراهن لا يمكن اعتباره طبيعياً، لكنه في الوقت نفسه ليس مأسوياً. ولا أحد بإمكانه إعطاء جواب حاسم، لأن إسرائيل هي صاحبة قرار الحرب، أما لبنان فيبقى ملتزماً بسقف الاتفاقات الدولية التي رعتها الدول الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. في الخلاصة، لقد كان اللقاء الأخير بين الرئاستين الأولى والثانية لقاءً غير عادي، لكنه جاء في إطار مصلحة لبنان وجنوبه، وليس من باب النزاع أو اختلاف الآراء.

حسن فقيه- المدن

مقالات ذات صلة