خاص – السيادة يا سادة “ذليلة” في الزاوية: واشنطن تتلو البيان الختامي!
بلد يُدار بالتحذيرات والتغريدات والزيارات المكوكية

بمقاله “الإرهابي” والتحذيري، تلا علينا الموفد الرئاسي الأميركي توماس بارّاك “فعل الندامة”، وقرّر منحنا درساً جديداً في “السيادة على الطريقة الأميركية”، فهدّد بصريح العبارة، ودونما أي “لف أو دوران”: “إمّا أن تسحبوا سلاح حزب الله… وإمّا أن المواجهة الكبرى مع إسرائيل”.
لكنّ ليس هذا العدوان اللفظي السافر غريب على “سليل الأنكل سام”، فبعدما “شتمنا كإعلاميين” وسكتت الدولة اللبنانية بـ”عهدها الجديد”، ها هو اليوم يكرّر الشتيمة بهز العصا لتشمل كل اللبنانيين، بعدما اعتدنا أنْ تُوجّه إلينا الأوامر من كل صوبٍ، من واشنطن إلى تل أبيب، مروراً بسفارة تملك في بيروت نفوذاً يوازي نصف مجلس الوزراء.
صمت جنائزي رسمي
المدهش هو هذا الصمت الجنائزي الرسمي: لا رئاسة علّقت، ولا حكومة استنكرت، ولا حتى وزير خارجية تجرّأ على استدعاء القائم بالأعمال الأميركي ليُذكّره، على الأقلّ شكلاً، أنّ لبنان دولة سيّدة مُستقلّة، وليس ولاية أميركية تدار عن بُعد.
هل سمع أحدكم همساً من بعبدا؟.. لا.
هل خرج أحد من السراي ليقول: “نرفض التدخّل في شؤوننا الداخلية؟”.. أيضاً لا.
“السيادة – يا سادة – تجلس اليوم في إحدى الزوايا المُظلمة، كي لا يراها أحد، فقط تُراقب بصمتٍ مذلّ، كموقوف ضُبط يرتكب فعلاً مُخلاً في مكان عام، فأصبح أسير مكان لا مكان فيه للكرامة الوطنية.
أما الإدارة الأميركية، فهي كالعادة تمارس هوايتها المُفضّلة: إشعال الحرائق في الشرق الأوسط، ثم بيع طفايات الحريق لمَنْ بقي “على قيد السياسة”. تُهدّد لبنان بحربٍ تعرف جيداً أنّها لن تدمّر “حزب الله” بقدر ما ستدمّر ما تبقّى من الدولة الورقية التي نحملها على أكتافنا منذ الطائف.
الحرب لإنقاذ نتنياهو
والسؤال الذي لا جواب له: هل واشنطن فعلاً تخشى “سلاح الحزب”، أم إنّها تستعجل حرباً تُنقذ نتنياهو من مأزقه الداخلي وتمنح إسرائيل ذريعة جديدة لتدمير الجنوب من جديد؟
كل المؤشرات تقول: الحرب مطلوبة، لا لأنّ أحداً يريدها في لبنان، بل لأنّ العدو وحده يحتاج إليها، فهو المنتفع الوحيد من نارٍ تُعيد ترتيب الأوراق، وتغسل فشله في غزّة، وتمنحه فرصة الظهور بمظهر المنتصر على “التهديد الإيراني” عبر الساحة اللبنانية.
في المقابل، ماذا تفعل دولتنا؟… تكتفي بالتعبير عن “القلق”، كأنّ القلق سياسة خارجية، وكأنّ الصمت موقف وطني، وحتى بيانات الإدانة الجاهزة التي تُكتب بنسخ ولصق، لم تُستخدم هذه المرّة. ربما لأنّ النص الأميركي لم يترك فراغاً في الصفحة يسمح بأي تعليق محلي.
لقد وصلنا إلى مرحلة الاستسلام الصامت، حيث لا يحتاج الخارج لأنْ يضغط، ولا الداخل أنْ يعترض. يكفي أنْ يُغرّد مسؤول أميركي، حتى تُصاب السلطة بالخرس، وتُصاب الدولة بالدوار.
أي حماية استقرار!!
قد يقول قائل إنّ واشنطن تمارس نفوذها لـ”حماية الاستقرار”، لكن أي استقرار هذا؟ استقرار الجوع؟ استقرار الدولار الذي يتأرجح مع كل إشاعة؟ أم استقرار الخوف من الغد؟.. الحقيقة المُرّة أنّنا بتنا نعيش في بلدٍ لا يُهدَّد بالحرب فحسب، بل يُدار بالتحذيرات والتغريدات والزيارات المكوكية.
في النهاية، ليست مشكلتنا مع توم بارّاك وحده، فكلّ مَنْ يهدّدنا يجد في الداخل مَنْ يصفّق له أو يصمت حياءً أو تواطؤاً. المشكلة في دولة فقدت صوتها، وفي شعبٍ ما زال ينتظر من الخارج أنْ يُقرّر له مصيره، ثمّ يتساءل بعد كل أزمة: “ليش دايماً نحنا؟”
والجواب بسيط يا عزيزي اللبناني: لأنّك تعوّدت أنْ تكون “موضوعاً” في بيانات الآخرين، لا “فاعلاً” في بيانك الوطني. ولأنّ السيادة، للأسف، ما زالت “منبطحة أمام الأميركي” تنتظر أنْ يمنحها وسام العم سام!!

خاص Checklebanon