جواد نصر الله: “أنا أرفض كلمة أن الحزب هزم”… ولكن الحزب في غياب الوالد غير ما هو اليوم

جواد نصر الله: الحنين الأبوي والسياسة بزمن الفراغ والتحديات

مرّت سنة كاملة على استشهاد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، سنة لم تخفّف من وطأة الغياب ولا من وقع الخسارة التي شعر بها نجله جواد وعائلته، كما شعر بها أنصار الحزب والطائفة ولبنان بأسره. ففي البعد الشخصي، يروي جواد أنّ الحزن لا يزول، وأن الفراغ الذي خلّفه رحيل والده لم يُملأ بعد، إذ انقطع ذلك الحضور اليومي الذي كان يتجسّد في تفاصيل بسيطة كصلاة الفجر أو محادثة قصيرة، لكنه بالنسبة إليه كان سنداً وركيزة. أما في البعد السياسي، فإنّ غياب السيد لا يُختزل بغياب شخصية قيادية، بل هو حدث مفصلي وضع حزب الله أمام تحديات إعادة إنتاج ذاته بعد مرحلة التأسيس والشهادة، وأعاد طرح أسئلة كبرى حول مستقبل الطائفة الشيعية وموقع لبنان في قلب الصراعات الإقليمية.

في هذا الحوار الخاص مع المدن، يكشف جواد نصر الله جوانب من أثر الغياب على حياته الشخصية، ويضيء على إرث والده داخل الحزب وبين جمهوره، كما يقدّم قراءة للواقع اللبناني بعد سنة على الاغتيال، حيث تتقاطع الذكريات مع السياسة، ويغدو الحديث عن الأب هو ذاته حديثاً عن لبنان ودوره ومقاومته.

ذكريات شخصية ووصيّة أخيرة

يقول جواد: “لا يزول أثر الغياب بسهولة، ويبقى وقع الخسارة كما كان في اللحظة الأولى وإن كان مرّ عليه عام. يبقى الحزن العمر كله، والفراغ الذي تركه كبير جداً على المستوى الشخصي. المشهد الذي تغيّر هو الاتصال المعتاد المباشر بيني وبينه كصلاة الفجر، وكل الذكريات الطيبة، بمجرد سماع صوته وقربه. وآخر نصيحة أعطاني إياها هي مدارة الناس، وهو أمر أساسي بالنسبة إليه.”

هكذا يصف نجل السيد العلاقة اليومية التي انقطعت فجأة، ليبقى أثرها مرشداً شخصياً ووجدانياً في حياته.

بين التأسيس وبين الشهادة

من الشخصي إلى السياسي، يرى جواد أنّ “حزب الله في غياب والده هو غير حزب الله اليوم، وهذا ما يقوله الإخوان في الحزب ممن عاشروه وعاصروه قرابة الأربعين عاماً، وخصوصاً في كيفية معالجته ومتابعته للأمور. وما قبل السيد غير ما بعد السيد، هو مرحلة مهمة وطويلة في تاريخ حزب الله وعمله إلى الآن، مرحلة متميزة. ولكن هل حزب الله اليوم غير حزب الله بقيادة نصر الله،؟ الجواب هو النفي. فإن حزب الله تحكمه المبادئ نفسها والأهداف، وإخوانه في القيادة حالياً لديهم نفس الأهداف والتوجه، إنما قد يكون الأسلوب والكيفيات مختلفة، وهذا أمر طبيعي، لكل شخص أسلوبه وطريقته وشخصيته وتفكيره ونظرته للأمور. ما أثر على الحزب هي شهادة السيد وثلة كبيرة من القيادات الذين استشهدوا، وأسلوب السيد والقادة يختلف لأن مسيرتهم انطلقت من مرحلة التأسيس واستمرت إلى مرحلة الشهادة، وهو الزمن الأطول. لا أظن أن من يأتي بعدهم لا يملك القدرات، بل بالعكس، فهم تركوا جيلاً من الكفاءات، والقيادة، والقدرة على القيام بالمهام بعد من سبقهم.”

وعن موقعه الشخصي، يوضح: “لا موقع لي في حزب الله وحتى في مرقده. لا موقع لي. أنا نجل السيد، لا أحد يمكن أن يهبني ولا أن يسلبني هذه الأبوة. وتقييمي لقدرة الحزب على التماسك: نحن ناس عقائديون نؤمن بأن الله هو من يقود هذه الحركة والحزب، وهو من يشرف على هذا التنظيم. الخضّات والضربات هي من لوازم الدنيا وتزيد الإنسان عزماً وإصراراً وصلابة.”

الطائفة وتماسكها رغم الصدمات

تتوسع الإجابة لتشمل الطائفة الشيعية نفسها: “هذه الطائفة ولّادة، وهناك نخب من السياسيين من عمق الأزمة اللبنانية إلى اليوم. هي الطائفة الوحيدة المتماسكة والتي تتلقى الضربات وتزداد تماسكاً. ومن الطبيعي مع الشهادة، هناك شيء ما تزلزل وضعف، ولكن اليوم ازداد العزم والتماسك، وهناك ضمان لعدم التطبيع.”

وفي السياق ذاته، يضيف جواد نصر الله: “الموجودون لا يقلّون خبرة وقدرة، وربما هذا الدم يكون له قيمة ويكون دافعاً للعمل في سبيل المصلحة العامة سياسياً واجتماعياً لأجل حفظ هذا البلد والناس. منذ لحظة الشهادة شغلنا بما نمرّ به حتى اليوم، والبعض أصبح لا يرتدع بعدما رحل هذا الجبل الذي كان يصدّ العواصف. لكن لبنان بأهله وناسه والوطنيين الغيارى، لا يمكن أن يُسلَب ولا أن يُترَك للأخطار.”

لبنان في المعادلة الإقليمية

على مستوى الأزمات اللبنانية والإقليمية، يقول نجل السيد نصر الله: الأزمات والمصاعب التي نعيشها تحتاج إلى واقع. الأفضل أن يسعى الإنسان إلى العمل ببعده الأخلاقي والوطني، فيكون حاضراً للتصرّف والتفاعل لإدارة الأزمات. إن اعتداء الدوحة يؤكّد مصداقي لما كان يقوله السيد عن أن إسرائيل لا تحترم أي حدود ولا سيادة الدول، وهي متفلتة من كل الضوابط، والمعاهدات والمواثيق، ولا تقيم اعتبارا حتى لأصدقائها ولا القوانين الإنسانية والدولية.”

ويتابع: “الآن لبنان هو المحور في المحيط الإقليمي بما نراه من هجمة لنزع سلاحه وتحصيل الأمان لإسرائيل. وما يجري في سوريا دليل على ذلك، وهو نزع السلاح واحتلال الجولان والتوسع في احتلال الأرض. معروفة إسرائيل من هي وهناك من يريد التطبيع والسلام.”

وعن الضغوط الدولية والإقليمية، برأي جواد أن “السيد نصر الله كان واجه الضغوط الإقليمية والدولية لحصار لبنان ونزع السلاح. وموقف الشيخ نعيم قاسم وقيادات الحزب من هذا المستوى، والمواجهة مع إسرائيل تحكمها ظروف الميدان ومعطياته. وقيادة حزب الله أدرى بذلك. من المؤكد أن السيد نصر الله كان كما هي الحال اليوم على مستوى القيادة الحالية، لا يقوم بأي شيء ينافي المصلحة الوطنية، وبما يتماهى مع أهداف وإملاءات الخارج والعدو، هذا الأكيد.” وبحسب جواد نصر الله، فإن البعض من حيث يدري أو لا يدري يخدم العدو بشكل واضح. أضف أن سبب الأزمة حالياً بشكل مباشر هي ورقة الإملاءات الأميركية. أميركا لا يهمها إذا عاش لبنان أو مات، المهم بالنسبة إليها هي مصالح إسرائيل.”

“نعم، كان سيراجع السيد نصر الله ما جرى بعد الضربات التي تعرض إليها حزب الله في الحرب الاخيرة،” يحسم نجله، الذي يعتبر أن حزب الله تعرض لضربة قوية، ولكن في الميدان هُزم الإسرائيلي وليس الحزب. “أنا أرفض كلمة أن حزب الله هزم. كفركلا والخيام ووادي السلوقي ماذا فعلت بالإسرائيلي؟ حزب الله لم يهزم، بدليل هذه الأزمة المفتعلة، وإلا لكان حزب الله اليوم يبيع سلاحه بالكيلو. وبالتالي أرفض أن يقال إن حزب الله قد هزم.”

أما عن إعادة بناء الثقة الداخلية، فيقول: “عبر الحوار الداخلي القائم على المصالحة والمصارحة. وهذا الأمر موجود اليوم. هناك أزمة وهناك تدخلات وضغوط خارجية ووعود، وهناك ناس بتكوع يميناً وشمالاً، ولكن الأيام ستُظهر لهم أنّ اختياراتهم الآنية ليست في محلها.”

بين صخرة الروشة وضغوط نزع السلاح

يبقى كلام جواد نصر الله في الذكرى الأولى لاستشهاد والده مزيجاً بين الحنين الشخصي والقراءة السياسية العميقة. فبينما يصف الفراغ الكبير الذي تركه رحيل السيد حسن نصر الله في حياته العائلية، يؤكد في الوقت نفسه أنّ حزب الله والطائفة ولبنان ما زالوا يواجهون التحديات ذاتها التي خاضها والده لعقود. وهنا يتقاطع الخاص بالعام، إذ يتحوّل الحديث عن “الفراغ الشخصي” إلى صورة مكبّرة عن فراغ سياسي تحاول قوى إقليمية ودولية ملأه عبر “مشاريع مشبوهة”.

وإذا كان النقاش الداخلي اليوم يتركّز حول مستقبل سلاح المقاومة، فإنّ نجل السيد يرى أنّ هذه الضغوط ليست جديدة، بل تكرار لمسار طويل من المحاولات الهادفة إلى تفكيك موقع لبنان وضمان أمن إسرائيل. ما قاله رجل الأعمال الأميركي توم براك مؤخراً عن عجز الدولة اللبنانية و”هيمنة حزب الله” ليس سوى وجه آخر لإملاءات قديمة من واشنطن، حيث يبقى جوهرها انتزاع عناصر القوة من لبنان وتجريده من أي ورقة ضغط.

ومن هنا، يتجاوز كلام نجل نصر الله حدود الاستذكار العاطفي إلى تأكيد أنّ “المقاومة” ما زالت “صخرة الروشة” التي تتكسّر عندها أمواج الضغوط. فكما قاومت محاولات الإلغاء في الميدان، تواصل اليوم مواجهة الضغوط السياسية والدبلوماسية. والرسالة الأعمق التي يبعثها جواد هي أنّ السلاح ليس قضية تقنية أو ملفاً تفاوضياً فحسب، بل هو جزء من هوية لبنان ومكانته في المعادلة الإقليمية. لذلك، فإنّ السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه مع الذكرى الأولى لغياب السيد حسن نصر الله: هل يستطيع لبنان أن يحافظ على هذه الصخرة في وجه العواصف المتجددة، أم أنّ موجة جديدة من الضغوط ستدفعه إلى مسار آخر؟

وفي كلمته الاخيرة لوالده، قال جواد حسن نصر الله: ” إن التاريخ سيكتب أن السيد حسن نصر الله كان رجلا يتحدى العالم، وقد قتلته الانظمة المستبدة الاسرائيلية، ومن لف لفها من الذين ينظرون إلى الآخرين من منظور مصالحهم.

سيقال إنّه المناضل السيد حسن الشريف، الصادق، النظيف والوطني. رسالتي إلى والدي هنيئا له الجنة. ونحن مؤمنون وراضون بما اختاره له الله، وبما اختاره هو. وإنا على العهد بكل اتجاهات العهد، اجتماعيا وإنسانيا ووطنيا وسياسيا وفي المقاومة”.

ندى اندراوس- المدن

مقالات ذات صلة