واشنطن لبغداد: لنزع السلاح الآن… والفصائل المقاومة ترفض!!!

تضغط واشنطن على بغداد لنزع سلاح الفصائل وحلّ «الحشد الشعبي»، مهدّدة بالعقوبات والتصعيد العسكري لإعادة رسم النفوذ في العراق.
يتعرّض العراق، منذ أشهر، لضغوط أميركية شديدة، مردّها اعتقاد واشنطن أن الصيغة التي جرى التوصّل إليها مع طهران قبل نحو 3 أعوام، وأنتجت حكومة محمد شياع السوداني التي اعتُبرت يومها قريبة من إيران، انتهت، وأنه تتعيّن إعادة رسم خارطة النفوذ في هذا البلد لمصلحة الأميركيين، وهو ما يجد ترجمته في مطالبة أميركية ملحّة بنزع سلاح الفصائل المسلّحة المتحالفة مع إيران، اتّساقاً مع ما تفعله الولايات المتحدة في ساحات أخرى منها لبنان وسوريا.
على أن السياسة العراقية تظلّ أكثر تعقيداً من تصنيف هذه القوة أو تلك في خانات واضحة مع هذا الطرف الإقليمي أو الدولي أو ضدّه؛ فالسوداني ذاته حالياً، في أحسن الأحوال، يلعب دور الوسيط بين واشنطن وطهران، لأنه يدرك أن أيّ خلاف أميركي – إيراني كبير يهدّد استقرار العراق.
وإذ يأتي الضغط الذي يمكن أن يخرّب العلاقة من جانب أميركا، فإن الرجل يتصرّف على أساس أنه لا يمكن التصدّي لذلك الضغط في زمن يقود فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وحليفه رئيس وزراء العدو، بنيامين نتنياهو، حروباً في كل الاتجاهات؛ وبالتالي، فإنه يسعى لدى الفصائل المسلّحة ولدى إيران إلى تأمين استجابة لطلب نزع السلاح، من دون أن يصل، حتى الآن، إلى افتراق سواءً مع الفصائل المسلحة أو مع قوى «الإطار التنسيقي» التي تشكّل القاعدة الأساسية للحكومة.
ويحاجج السوداني بأن الولايات المتحدة يمكن أن تخنق العراق بأي عقوبات اقتصادية، وأن ذلك ليس في مصلحة إيران نفسها التي تربطها علاقات تجارية واجتماعية واسعة مع البلد الجار الأكثر تداخلاً معها من بين جيرانها الكثر. وبالفعل، لعبت إيران، خلال العامين الماضيين، أدواراً يمكن حتى للأميركيين تصنيفها في خانة الإيجابية، حين أسهمت في إقناع الفصائل المسلحة في أكثر من مناسبة بالاستجابة لطلبات السوداني، وهو ما أثمر تهدئة في العمليات المسلحة ضدّ القوات الأميركية – ما تزال مستمرّة حتى الآن -، وقرار الفصائل، قبل أشهر، تحييد نفسها عن إسناد قطاع غزة لحماية العراق من التهديدات الإسرائيلية المدعومة أميركياً.
على أن طرح نزع السلاح وتفكيك «الحشد الشعبي»، والذي يكاد يكون مادة التداول الوحيدة في البلد منذ أشهر، يثير انقساماً حادّاً وعميقاً بين مؤيدين ومعارضين، ومَن لم يتخذوا موقفاً حاسماً؛ فمن جهتها، تميل رئاسة الحكومة إلى التعامل مع هذا الطرح، على أساس أنها مضطرّة إلى الاستجابة له، تحت طائلة عقوبات أميركية تطال قطاع النفط الذي يوفّر أكثر من 90% من موازنة الدولة، وربّما ضربات عسكرية أميركية أو إسرائيلية، مماثلة لما يحصل في سوريا ولبنان، وترى أن ذلك الاحتمال تعاظم بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على قطر.
وفي المقابل، تأبى فصائل المقاومة التخلّي عن سلاحها، وتصرّ على تمرير قانون في البرلمان يوضح آليات دمج «الحشد الشعبي» الذي ينضوي معظمها ضمنه، في القوى العسكرية الرسمية، وهو ما ترفضه واشنطن، بحجة أنه يقوّي نفوذ طهران في العراق.
ويتكوّن المعسكر المؤيّد لحصر السلاح بيد الدولة من: جزء من القوى الشيعية المتموضعة داخل السلطة وخارجها، وغالبية القوى الممثّلة للأكراد والسنة؛ في حين يضمّ المعسكر المعارض لهذا الطرح، جزءاً آخر من القوى الشيعية، ولا سيما تلك التي تملك أذرعاً مسلّحة. كما ثمّة جزء ثالث من هذه القوى نفسها، لا موقف واضحاً له، ويمكنه في أيّ ظرف أن يحسب نفسه على واحد من المعسكرين؛ والتفسير الأقرب لذلك هو أنه مستعد للانتقال إلى خندق الاستجابة لطلب نزع السلاح إذا وجد أن الكفّة تميل لصالحه، خصوصاً أنه يرى أن لديه ما يخسره على مستوى المنافع التي أمكنه الاستحواذ عليها في السنوات الماضية.
ويضع الفرز المتقدّم، القوى العراقية في مواجهة بعضها البعض مباشرة، حيث تسعى كلّ منها إلى تجميع أوراقها، وحتى الاندراج في السياق الإقليمي الذي يخدم هدفها. فعلى سبيل المثال، يبدو السوداني، متناغماً مع أربيل حول مسألة السلاح، ومنفتحاً على دول الخليج؛ وهو، في الآونة الأخيرة، حسم خياره، بعد تردّد، بالانفتاح على سوريا أحمد الشرع، والتعاون الأمني والاقتصادي معها، رغم المعارضة الشيعية القوية للتوجّه المذكور، في ما بدا مسعى منه إلى تدعيم معسكره بعلاقة قوية مع دمشق، تنعكس تأييداً له من المكون السنّي العراقي الذي يتداخل حتى جغرافياً مع سوريا، وينادي بالتقارب معها.
إلا أن رئيس الحكومة، بأدائه المشار إليه، يخاطر بخسارة جزء من القاعدة التي ترتكز إليها حكومته، من مثل القوى التي يتكوّن منها «الحشد الشعبي» والفصائل المسلحة، ويفتح الباب أمام احتمال تعديل تركيبة السلطة في بغداد، والتي قامت منذ الاحتلال الأميركي عام 2003، وهو ما درجت المكوّنات الأخرى، ولا سيما الأكراد والسنة، على المطالبة به مذّاك.
في الوقت الراهن، تقوم القوات الأميركية بإعادة تموضع في العراق، وتنسحب من قواعد أساسية فيه نحو إقليم كردستان والأراضي السورية، لتخفيف احتمال تعرّضها لهجمات إذا ما عمدت إلى التصعيد ضدّ بغداد، وهو ما يُعتبر بذاته مؤشراً إلى نيّتها التصعيد، باعتبار أن تواجد جنودها على الأراضي العراقية سيكون نقطة ضعف في حال قرّرت الانتقال إلى تنفيذ تهديداتها، ولا سيما في الشق العسكري. وتستند الحكومة إلى هذا النوع من التهويل بالذات، لمحاولة إقناع الفصائل المسلّحة بحصر السلاح بيد الدولة. على أن فصائل المقاومة، وإن هادنت، فهي ترفض طرح نزع سلاحها، ما يفتح الأوضاع على احتمالات مواجهة، تبدو واشنطن وتل أبيب متحفزتين لها، ولا سيما إذا جرى استئناف الحرب بين إيران وإسرائيل.
حسين ابراهيم- الأخبار
