سقوط خيار التقارب مع إسرائيل للحماية من إيران: ماذا عن نظرية “توازن الصفائح”؟

تتّجه الأنظار إلى قطر والقمة الاسلامية الاستثنائية التي تعقد فيها، في سياق الردّ على العدوان الإسرائيلي الذي استهدف العاصمة الدوحة. فعّلت قطر كل الخطوط السياسية والديبلوماسية للوصول إلى موقف حاسم وواضح، يشكل عنصر ضغط على الأميركيين لدفعهم إلى اتخاذ خطوات توقف إسرائيل عند حدودها، وتلزمها بوقف عدوانها المستمر على المنطقة، إضافة إلى وقف الحرب على غزة، وتقديم إطار واضح لحفظ القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. وتنعقد القمة بعد تجليات الاستراتيجية الإسرائيلية الهادفة إلى إضعاف الدول القوية في المنطقة، وتفتيت الدول الضعيفة، أو الإخلال بتوازناتها واستقرارها.
في مراجعة بسيطة وسريعة لمحطات واستحقاقات كثيرة مرّت على المنطقة منذ “الحرب على الإرهاب” ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، يظهر أن إسرائيل، وربما الولايات المتحدة الأميركية، عملتا على خلق العداوات بين دول المنطقة، أو بين المكوّنات داخل الدولة الواحدة. ومن أبرز تجليات ذلك تداعيات الاجتياح الأميركي للعراق، الذي فتح المجال أمام دخول إيراني، والتعبير بوضوح عن مشروع إيران الذي نظرت إليه الدول العربية، ولا سيما الدول الخليجية، بوصفه مشروعاً تهديدياً لنفوذها ومصالحها، علماً أن إيران لم تتأخر في التعبير عن ذلك عبر المسارات التي انتهجتها، والتصريحات التي أطلقها المسؤولون فيها حول سيطرتهم على أربع عواصم عربية، إضافة إلى إشهار الخصومة التي بلغت حدود العداء ضد دول الخليج، وهو ما كان متّسقاً في سياق سياسي، أخذ بُعداً طائفياً ومذهبياً وعقائدياً.
وإذ بقيت الولايات المتحدة الأميركية ترتكز إلى نظرية “توازن الصفائح” في منطقة الشرق الأوسط؛ أي أن تكون المنطقة موزعة بين أربعة مشاريع أو قوىً، كل واحدة منها تمثل صفيحة، وهي إسرائيل، إيران، تركيا والدول العربية، فإنَّ ما جرى في السنوات الماضية هو ضرب لهذه الصفائح، التي يمكن لاختلالها أو اصطدامها بعضها ببعضٍ، أن يؤدّيا إلى زلازل تهزّ أمن المنطقة واستقرارها. لطالما سعت إسرائيل إلى ضرب توازنات هذه الصفائح، وحتى إيران أرادت الإخلال بها عبر التعبير عن مشروعها، الذي أرادت له أن يتمدد ويتوسع في المنطقة، قبل أن تقوض إسرائيل ذلك، وتُوجّه ضربات قاسية إلى المشروع الإيراني ككل، في سبيل تقويض نفوذ طهران.
طوال السنوات الماضية، استثمرت إسرائيل في الخلافات العربية- الإيرانية، أو في الصراع بين المشروعين، وحاولت جاهدة إشاحة النظر عن خطورة “المشروع الإسرائيلي” عبر تزكية الصراع العربي- الإيراني. هنا أيضاً وقعت إيران في فخ الطموح إلى التوسع، وبسط النفوذ، والتدخل في شؤون الدول، وأصبح يُنظر إليها بوصفها تهديداً للعرب على نحوٍ عام، وللسُّنّة على نحوٍ خاص، فأخذ الصراع بُعداً مذهبياً وطائفياً، ليتقدم الصراع الإيراني- العربي على الصراع العربي- الإسرائيلي.
هذه الرؤية المرتبطة بالمشروع الأوسع إسرائيلياً وأميركياً للمنطقة، دفعت إيران إلى توسيع نفوذها في المنطقة وتعزيزه، وهذا ما غرس فكرة الخلاص العربي، التي يفترض أن تكون مرتبطة بالعلاقة مع إسرائيل. هنا حدث التحول الكبير في اعتبار أنّ العلاقة مع إسرائيل يجب أن تكون طبيعية، ما دام يمكن الالتقاء معها على مواجهة إيران. وقد تعزز ذلك مع استمرار التوغل الإيراني في المنطقة، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها طهران إلى قلب الخليج عبر حلفائها، وما تجلى في استهداف “أرامكو”. لكنَّ الأسوأ أنه على الرغم من هذه الضربة، ومن العلاقة التحالفية بين دول الخليج والولايات المتحدة الأميركية، فالإدارة الأميركية حينها برئاسة دونالد ترامب رفضت التدخل للدفاع عن السعودية أو لمساعدتها، في حين وضعت السعودية شروطاً جديدة تتصل بالعلاقة مع أميركا، وهو ما يتعلّق بإبرام اتفاقيات دفاعية استراتيجية، فربط الأميركيون ذلك بالوصول إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، أو الدخول في مسار الاتفاقات الإبراهيمية. وهو ما اشترطت الرياض في مقابله الاعتراف بدولة فلسطينية، لا تريدها إسرائيل حتماً، ولا تسمح بقيامها، وتمارس كل أنواع المجازر لإجهاضها.
عملياً، سقطت كل النظرية أو السردية التي جرى تقديمها، بأن الدفاع عن المنطقة العربية ومشروعها في مواجهة المشروع الإيراني يمر عبر العلاقة مع إسرائيل. كما سقطت نظرية اعتبار أن الاتفاقيات السياسية والأمنية مع إسرائيل يمكنها أن توفر الحماية للدول العربية. جلّ ما كان يحصل هو أن اندفاع إيران الجَموح لبسط النفوذ في المنطقة استخدمته تل أبيب وواشنطن في سياق إبقاء طهران فزّاعة لتخويف العرب، ودفعهم إلى تبني كل السياسة التي ترسمها واشنطن، وتتلاءم مع المصلحة الإسرائيلية. ذلك أصبح معروفاً، في حين أنَّ الأساس يبقى في ما هو غير معروف حتى الآن، ويرتبط بكيفية مواجهة هذه الحرب الإسرائيلية التي يمكن أن تكون قائمة على فكرة التكامل الإقليمي، والانتقال منه للدخول في مسار التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، لدفعها إلى الضغط على إسرائيل، واتخاذ موقف واضح لوقف الحرب، وفرض حل للقضية الفلسطينية.
المدن



