قمة الدوحة: قرارات حاسمة في مواجهة إسرائيل التي وصلت إلى الخليج وتريد تطويع الجميع
ما تعرضه إسرائيل على المنطقة هو أن تكون الشرطي صاحب العصا الغليظة

ربما، حانت اللحظة المناسبة للخروج من معادلة “مبادرة السلام العربية”، إلى طرح عربي أو إقليمي جديد، في إطار رؤية تكاملية للتعامل مع الحرب التي تشنها إسرائيل على المنطقة كلها. على مدى أكثر من 20 سنة، عملت تل أبيب على إسقاط هذه المبادرة، وتقويضها تماماً، كما أسقطت من قبلها ما كان يسمى آنذاك “الأرض مقابل السلام”. على الرغم من التمسك العربي الدائم بتلك المبادرة التي أُقرت في قمة بيروت العربية، إلا أنه لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة الأميركية أفسحتا المجال أمام تحقيق شيء منها. واصلت إسرائيل حروبها على الشعب الفلسطيني وقضيته، وتواصل القضاء على أدنى حقوقه في إقامة دولته، فكل ما تسعى إليه هو تهجير الفلسطينيين من أرضهم، علماً أن حربها لم تعد مقتصرة على الداخل الفلسطيني، ولم يعد أحد في الدول العربية أو الإقليمية بإمكانه أن يعتبر أن النار التي تشتعل في غزة أو الضفة الغربية ستبقى بمنأىً عنه.
كل الممارسات الإسرائيلية قادت إلى ضرب مسار السلام، أو مسار المبادرة العربية. وعلى العكس مما يظنه كثيرون فإن تل أبيب، خصوصاً في ظل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية، لا تعتبر نفسها معنية بالسلام على الإطلاق. وربما هي لم تعد معنية بالاتفاقات الإبراهيمية إلا من وجهة نظرها الخاصة، بالنظر إلى نفسها بوصفها شرطي المنطقة ككل، والطرف الذي يتحكم في مساراتها السياسية والأمنية ومواردها وممراتها.
ما بعد الحرب على غزة، التي وسعتها إسرائيل باتجاه الضفة الغربية، لبنان، سوريا، اليمن، وإيران، وصولاً إلى استهداف قلب الخليج العربي عبر استهداف الدوحة، أصبح المسؤولون الإسرائيليون يتباهون في تصريحاتهم بأنهم يعملون على تغيير الوضع في الشرق الأوسط، وربما هم يطمحون إلى تغيير الوضع في الخليج العربي. ومن يعلن بنفسه عن تغيير وضع المنطقة وتوازناتها، يعني على نحوٍ واضح أنه غير مقتنع، ولا يفكر حتى بإبرام اتفاقات سلام مع دول هذه المنطقة. ووفق ما يرد من معلومات ديبلوماسية تتقاطع في ساحات عديدة، بينها لبنان وسوريا، فإن إسرائيل لا تتحدث في كل مباحثاتها ومفاوضاتها عن اتفاق سلام، بل كل ما تريده هو اتفاقات أمنية وعسكرية، وترتيبات تضعها هي بنفسها، وتريد من الآخرين أن يلتزموا بها.
مثل هذه الاتفاقات التي تريدها إسرائيل، لا تحتوي على أي التزام من قِبلها، بعدم المساس في سيادة هذه الدول؛ لا بل تحتفظ لنفسها بحق التصرف عسكرياً، وتوجيه الضربات، وتنفيذ عمليات التوغل عندما تريد ومتى رأت ذلك مناسباً أو مؤاتياً لها. بمعنىً أوضح؛ فإن ما تعرضه إسرائيل على المنطقة هو أن تكون الشرطي صاحب العصا الغليظة، الذي يريد تطويع الجميع.
جنون استهداف العاصمة القطرية
بلغ الغرور الإسرائيلي مرحلة ترى فيها تل أبيب نفسها أنها ليست بحاجة إلى أي سلام مع أية دولة في المنطقة، وأنها لا تسعى إلى اعترافات كما كانت تسعى في السابق، خصوصاً عندما جرى إطلاق مسار الاتفاقات الإبراهيمية. اليوم هي ترى نفسها قد تجاوزت كل هذا المسار، وتريد أن تفرض مساراً جديداً هي وحدها التي تخطه، وبذلك تسقط مسار الاتفاقات الإبراهيمية كما أسقطت من قبله كل المبادرات أو الاتفاقات. وعندما يبلغ بها الجنون استهداف العاصمة القطرية الدوحة، وهي التي تتمتع بعلاقات قوية مع واشنطن وتحالف استراتيجي، يعني أن التفكير الإسرائيلي وصل إلى مرحلة خطيرة جداً بما يتعلق برسم مشهد العلاقات الدولية على مستوى المنطقة.
سياسياً لم يتبق شيء من كل اتفاقيات السلام التي أُبرمت مع إسرائيل؛ فهي هددت اتفاقية كامب ديفيد منذ دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح، وصولاً إلى استهداف الأمن القومي المصري عبر مشروع تهجير أهل غزة إلى مصر. مع الأردن أسقطت إسرائيل اتفاقية وادي عربة عبر مشاريع الاستيطان، ومشاريعها في غور الأردن، إضافة إلى مسعاها لتهجير أهل الضفة الغربية إلى الأردن الذي تعتبره ضفة شرقية. كذلك تتعاطى مع لبنان وسوريا بمنطق خارج عن كل سياقات التفاهمات أو الاتفاقات، والآن وصلت إلى الخليج.
أمام كل هذه التحديات تنعقد القمة الاستثنائية في الدوحة، التي تفرض تحديات كبيرة تستوجب الخروج بمواقف موحدة، أبرزها ما يخرج عن سياق الاكتفاء بالإدانة فقط؛ والذهاب إلى تجميد العلاقات، وتجميد كل مسارات التفاوض سواء كانت أمنية، أم عسكرية، أم سياسية، أم اقتصادية. مما لا شك فيه أن كل دول المنطقة تنظر إلى إسرائيل باعتبارها مشروعاً تهديدياً لكل الوضع الإقليمي، وهو ما يفترض الدخول في مشروع بناء رؤية استراتيجية جديدة تقوم على التكامل الإقليمي، بين دول المنطقة المختلفة والمتنوعة ذات الاتجاهات المتعددة. تكامل إقليمي يقوم على مشاريع استراتيجية تتصل ببناء منظومة دفاعية عسكرية وأمنية مشتركة، وبناء مسارات اقتصادية جديدة تشمل منابع الطاقة وممراتها، وتدخل في بناء تصور لمسارات الاستثمار في المجالات الصناعية أو مجالات الاتصالات والذكاء الاصطناعي، والمشاريع التجارية المشتركة، بما يجعل اقتصادات هذه الدول متشابكة، وتسمح بتقوية بعضها بعضاً، لتشكيل منظومة متكاملة تضعف من قدرات إسرائيل العسكرية والأمنية والاقتصادية.
المدن
