“إسرائيل الكبرى” بتصغير الكيانات: من غزة والضفة إلى سوريا ولبنان.. قضمٌ وتهجيرٌ ومناطق عازلة!

من غزة والضفة، إلى سوريا ولبنان، يتضح أن إسرائيل لن توقف حروبها. أصبحت السمة الأساسية لحكومة بنيامين نتنياهو هي استمرار الحروب بذريعة أحداث 7 أوكتوبر. إنها الحروب التي لا يريد نتنياهو نهاية لها حتى خريف العام 2026 موعد الانتخابات الإسرائيلية، وربما إلى ما يليها. السؤال الذي يطرح نفسه هو إذا كانت تل أبيب ستكتفي بحروبها في هذه الميادين أم ستوسعها أكثر، من دون إغفال مسار عملياتها العسكرية والأمنية في اليمن. لكن المؤكد أن ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية شنّ حرب ضد كل دول المنطقة، ولا سيما كل الدول الكبيرة والوازنة فيها، جغرافياً، ديمغرافياً، اقتصادياً أو عسكرياً. وهنا أيضاً يمكن للسجال أن يتوسع مستعيداً التضارب أو التكامل بين رؤيتين، “إسرائيل الكبرى” أو “إسرائيل العظمى”. ومن هنا، يُطرح سؤال أساسي عمّا إذا ما كانت إسرائيل تسعى إلى تفكيك أو تصغير دول المنطقة؟

المؤكد بالنسبة إلى تل أبيب سعيها الدائم، بالاستناد إلى دعم دولي وأميركي خصوصاً، إلى أن تكون هي صاحبة الدور الأكبر على مستوى منطقة الشرق الأوسط، وإلى أن تطيح بكل التوازنات التي كانت قائمة. وهي تريد أن تتجاوز مسألة “صغر المساحة أو الحجم” بتكبير الدور وتعظيمه، عسكرياً أو أمنياً أو سياسياً أو اقتصادياً. وفي المكان الذي لا تتمكن فيه من ذلك، هي ستسعى إلى ضرب الدول، إما الأكبر منها حجماً ودوراً، وإما الأقدر منها اقتصادياً ومالياً أو في أي شكل من أشكال التأثير والنفوذ.

انطلاقاً من هذه القراءة، يمكن الولوج إلى تكوين تصوّر حول كل ما تقوم به إسرائيل على مستوى المنطقة، من طرح تهجير غزة كلياً وإعدام كل مقومات الحياة فيها، إلى ضم الضفة الغربية مع ما يعنيه ذلك من مشروع تهجيري جديد، إلى طرحها في سوريا ولبنان إقامة مناطق عازلة. تلك المناطق العازلة التي تريد تكريسها في البلدين سيكون لها أكثر من نتيجة. الأولى، هي توسيع هامش ودور ونفوذ وتموضع القوات الإسرائيلية فيهما. الثانية، هي تصغير مساحات وكيانات الدولتين أي سوريا ولبنان. الثالثة، هي مقارعة كل الدول التي تعتبر نفسها معنية بهاتين الدولتين. ففي فلسطين، حيث يتم القضاء على الدولة الفلسطينية بضم الضفة، تقارع إسرائيل غالبية دول العالم. في سوريا، تقارع إسرائيل كل الدول العربية وخصوصاً السعودية إضافة إلى مقارعتها لتركيا. أما في لبنان فإن إسرائيل تقارع دولاً غربية وعربية.

هذا المشروع لا يمكن أن يتوقف عند حدود سوريا ولبنان. من هنا لا بد من العودة إلى مؤشرات واضحة حول بعض التباين الإسرائيلي- الأميركي في سوريا. فموقف الموفد توم باراك واضح لجهة تبني خيار دعم الرئيس أحمد الشرع ودعم وحدة سوريا وسيطرة دمشق على أراضيها بشكل كامل، وسط رفض أميركي للكثير من المسارات التي سلكتها إسرائيل في سوريا، وصولاً إلى التدخل ضد القوات السورية أو قصف مبنى رئاسة الأركان. هذا التابين لا يزال قائماً حول ملف السويداء وملف قسد، خصوصاً أن إسرائيل تواصل العمل على التدخل في هذين الملفين، إلى جانب الإصرار على استمرار احتلالها لنقاط ومناطق واسعة من جنوب سوريا. وسابقاً، في أيام نظام الأسد والانتشار الإيراني على الأراضي السورية، كانت إسرائيل واضحة في مطالبتها بمنطقة خالية من السلاح، عمقها 40 كلم في الجنوب السوري. اليوم يتجدد مطلبها بأن يكون جنوب سوريا خالياً من السلاح بشكل كامل، إلى جانب سيطرتها على مناطق واسعة من الجنوب السوري، وإحدى أبرز النقاط هي مرصد جبل الشيخ، الذي لا بد أن يكون للانتشار فيه تأثير على الجانب اللبناني.

في لبنان أيضاً، كان كلام الموفد الأميركي واضحاً حول مطالبة نتنياهو بتقديم بعض التنازلات، لكن الجواب الرسمي الأميركي الذي تبلغه المسؤولون اللبنانيون هو أن تل أبيب لم توافق على تقديم أي تنازل، وأنها تشترط سحب السلاح وبعدها تناقش في مسألة الانسحاب. ومن الواضح أن إسرائيل تريد أن تفرض رؤيتها على مرحلة ما بعد انسحابها، لجهة القوات التي ستنتشر بدلاً منها. فهي تقترح قوات متعددة الجنسيات أو قوات دولية وترفض دخول الجيش اللبناني أو قوات اليونفيل، إضافة إلى فكرة إقامة منطقة عازلة خالية من السكان، ما يعني قضماً للجغرافيا والديمغرافيا اللبنانية.

تعتبر إسرائيل، وعلى لسان نتنياهو، أنها نجحت في توجيه ضربات إلى كل من سوريا ولبنان، إلى جانب ضرباتها المتواصلة في فلسطين، من غزة إلى الضفة، وهو ما يضعه نتنياهو في سياق ضرب المحور الإيراني. وفيما تواصل تل أبيب مشروعها وعملياتها، تبقى سوريا ساحة الانعكاس الرئيسية لهذا المشروع، لا سيما أن ذلك يتطور إلى صراع على النفوذ مع تركيا. ولطالما صدرت في تركيا دراسات وتقارير تشير إلى أن المشروع الإسرائيلي الحقيقي يستهدف تركيا ودورها ومساحتها، وأن إسرائيل تحاول زرع مشكلة تركية داخلية على أسس قومية أو عرقية لتقويض الدور أو لتصغير الدولة. وهذا ما سعت إليه ولا تزال في الدول العربية، وهو ما حدث أيضاً في المواجهة مع إيران عبر ضرب حلفائها ومناطق نفوذها في المنطقة.

المدن

مقالات ذات صلة