أزمة برّاك اللبنانية… وانفجار الغضب بوجه الصحافيين

تعيد إهانة الموفد الأميركي توماس براك للصحافيين، تشكيل صورة الدبلوماسية الأميركية في إدارة الرئيس دونالد ترامب التي تنظر الى شعوب العالم باستعلاء، ولا ترى فيهم إلا جاليات مستهلكة، وبيادق لتنفيذ المشاريع الاقتصادية التي تخطط لها الإدارة.
استنزف الحديث عن الاهانة الموجهة للصحافيين اللبنانيين في القصر الجمهوري، الثلاثاء، كل المدلولات الأخلاقية والانسانية والدبلوماسية، من فكرة “الرجل الأبيض”، والإستعلاء والعنجهيّة، فضلاً عن المدلولات السياسية من سلوك القوة وأدبيات السيطرة وغيرها… لكن التوصيفات كلها، لم تغرق في منحيين أساسيين، أولهما الأزمة السياسية التي يعانيها براك على ضوء ترنّح مبادرته، وثانيهما تفكير الجمهوريين الجدد الذي يتجسد في سلوك الإدارة الأميركية الحالية.
غضب وصلافة
والمنحى الثاني، يُستدل إليه في رد الفعل الأميركي على الغضب الإعلامي اللبناني الواسع، الناتج عن الإهانة غير المبررة للصحافيين اللبنانيين بوصف اندفاعهم للسؤال عن مواقف ومعلومات، بالسلوك الحيواني. فالغضب عبّرت عنه الكيانات الصحافية، من نقابة محرري الصحافة الى نقابة المصورين واتحاد الصحافيين اللبنانيين وغيرهم، فضلاً عن سياسيين من منشأ إعلامي مثل النواب غياث يزبك وابراهيم الموسوي وبولا يعقوبيان والوزيرة السابقة مي شدياق. وتمثل هذا الاحتجاج في مطالبة براك، أو إدارته، بالاعتذار من الصحافيين اللبنانيين، وهو أمر لم يستجب له الموفد الأميركي، وتجاهله، بما يوحي بإصراره على ما قاله، من خلفية الصلافة التي يشعر بها.
مسار أورتاغوس
وهي الصلافة نفسها التي دفعت الموفدة السابقة (واللاحقة) مورغان أورتاغوس، لإحراج رئاسة الجمهورية في أول زيارة لها، حين حضرت الى القصر الرئاسي بخاتم يعمل شعار نجمة داوود، ثم أحرجت الرئاسة مرة ثانية حين أطلقت مواقف من منبر القصر الرئاسي، تثني فيها على حرب إسرائيل على لبنان، واستهداف “حزب الله”، أحد مكونات البلاد السياسية، مما دفع الرئاسة لإصدار بيان رسمي اعتبرت فيه أن مواقف أورتاغوس تمثلها وحدها، ولا تمثل الرئاسة. كذلك، استعدَت أورتاغوس مكوناً سياسياً آخر، حينما وجهت إهانة لزعيم “الحزب التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، حين اعتبرت أنه يتعاطى مخدرات مضروبة! وطبعاً، بعد كل تلك السلوكيات الخارجية عن اللياقات الدبلوماسية، لم تقدم أي اعتذار. بذلك، كشفت أورتاغوس، ثم براك الثلاثاء، عن وجه آخر للدبلوماسية الأميركية، لا تختلف كثيراً عن دبلوماسية ترامب وأدبياته السياسية التي أثارت انتقادات الصحافة الغربية، وذلك بعد افتتاحه مساراً للمفاوضات العلنية أمام العدسات، وإهانته للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. هؤلاء الموظفون، يطبقون نهجاً هجيناً من استراتيجية السياسة الترامبية، دفعت مهمة براك للترنح في لبنان، من شدة الانتقادات المحلية لتلك السلوكيات.
المهمة تترنّح
وهنا، يكمن المعنى الأول أو دلالة إهانة الصحافيين.. فالتأزم الذي أحاط بالزيارة، انعكس فوراً في سلوكيات براك مع الصحافيين، سواء في القصر الجمهوري، أو في إدارة ظَهره للصحافيين وأسئلتهم بعد لقائه رئيس مجلس النواب نبيه بري، مما أوحى بأن الرجل لا يمتلك ما يقوله للصحافيين. فقد جاء بمهمة محددة، تهدف إلى الاستسلام لإسرائيل من دون مقابل سياسي، وهو ما لم يجد استجابة في الدوائر الرئاسية الثلاث في لبنان، ففشلت المهمة. هكذا، جاء انفجار الغضب بوجه الصحافيين لإظهار القوة الأميركية، وهي رسالة إهانة موجهة الى السلطة اللبنانية بما يتخطى الصحافيين، كناقل لهذا الغضب المهين.
وهم السلام بالقوة
فشلت المهمة، لأن الولايات المتحدة تتبنى سردية إسرائيل القائمة على تطبيق السلام بالقوة، وهو ما أفشل مساعيها السابقة مع الفلسطينيين واللبنانيين الذين ينظرون الى المطالب الاسرائيلية على أنها استسلام، وإذعان تحت الضغط. يعتقد المسؤولون الأميركيون في الإدارة الحالية أن القوة وحدها كفيلة بتغيير مجرى الأحداث. يخالف هؤلاء جميع الأدبيات الأميركية القائمة على القوة الناعمة، وسياسة التهديد والإغراء.. ما أظهره براك في إهانة الصحافيين، يؤشر الى اعتقادات واهمة بأن القوة تصنع الاستقرار، أو تفرض الاحترام.. وما غضب الصحافيين اللبنانيين سوى مؤشر على ذلك.
نور الهاشم- المدن