مجسّم فؤاد شكر: ماذا يعني في وقت يتزايد فيه القلق من تردّي الوضع الأمني؟

الناس بدها أمان وراحة بال

في الذكرى السنوية الأولى لاغتياله، أُزيحت الستارة عن مجسّم القائد العسكري في “حزب الله”، فؤاد شكر، في الضاحية الجنوبية لبيروت، خلال احتفال حضره عدد من القيادات الحزبية والمناصرين. وسط أناشيد المقاومة وصور الشهداء المنتشرة في المكان، بدا المشهد مألوفاً في منطقة تتقاطع فيها الذاكرة الجماعية مع الحضور العسكري، وتُشكّل المجسّمات جزءاً من السردية اليومية للسكان.

لكن خلف لحظة التذكّر هذه، برزت أسئلة أكثر حيوية على ألسنة الناس: ماذا تعني هذه المجسّمات في وقت يتزايد فيه القلق من تردّي الوضع الأمني؟ هل تواكب هذه الرموز أولويات الناس اليوم، أم تزيد من شعورهم بالعجز أمام واقع سياسي وأمني متفلّت؟

رأي الشارع بدا متنوعاً. البعض رأى في المجسّم تكريماً مستحقاً لرجلٍ قاتل في صفوف المقاومة لسنوات، وضحّى من أجل “الخط والموقف”، كما وصفه أحد المشاركين. بينما تساءل آخرون عن جدوى هذه التماثيل في ظل الانهيار المتواصل: “الناس بدها أمان وراحة بال، مش تماثيل بتذكرها إنها محاصرة بالموت من كل الجهات”، قالت شابة كانت تمرّ قرب الموقع.

أما البعض الآخر، فاعتبر أن هذه الرموز تحمل قيمة معنوية للمجتمع المحلي، وتُجسّد رواية نضالية لا يمكن فصلها عن هوية المنطقة. في المقابل، هناك من رأى فيها محاولة لتثبيت سلطة رمزية في وقت تضعف فيه مؤسسات الدولة، وتغيب الخدمات، وتتزايد الجرائم.

وبين من يراها تكريماً، ومن يعتبرها عبئاً نفسياً، يبقى المجسّم حاضراً وسط حيّ مزدحم بالتفاصيل اليومية، يتقاطع فيه تاريخ الحرب مع هموم العيش، وتعلو فيه الأسئلة عن المستقبل… أكثر من أي إجابات جاهزة.

تتجاوز هذه المجسّمات وظيفتها التذكارية لتلعب دوراً محورياً في بناء الرمزية السياسية داخل المجال العام. ففي مناطق نفوذ “حزب الله”، كما في حالات مشابهة عبر التاريخ، تُستخدم النُصُب والتماثيل كأدوات لترسيخ الذاكرة الجماعية، وتأكيد السيطرة الرمزية على الحيّز المكاني. إنه ليس مجرّد تكريم لشخص، بل تأكيد متجدّد للهوية السياسية والثقافية التي تُملى على المكان وسكّانه.

المجسّم هنا يُصبح “عيناً ساهرة” للخطاب السياسي، لا تغيب، ولا تغضّ الطرف. هو رسالة صامتة، لكنها فاعلة، تقول: “هذا الحيّ لنا، وتاريخه مكتوب بدم شهدائنا”. وهذا ما يجعل من المساحات العامة مناطق مشحونة بالمعاني، حيث لا يمرّ المرء بجانب التمثال كمارّة عابرين، بل يتفاعل – طوعاً أو كرهاً – مع رمزية مفروضة عليه بصرياً يوماً بعد يوم.

في ظل الغياب شبه الكامل للرمزية الوطنية الجامعة، تحوّلت هذه النُصُب إلى بدائل محلية تعكس انقسام المجتمع اللبناني، وتعزّز منطق الولاءات الطائفية أو الحزبية، على حساب سردية وطنية مشتركة.

لبنان الكبير

مقالات ذات صلة