الواقع أكثر تعقيداً: “الحزب” ليس وحيداً برفض تسليم السلاح

تتعدد مشاهد السلاح غير النظامي في لبنان، وتتداخل خلفياته بين ما هو فلسطيني، وما هو مقاوم، وما هو رد فعل على غياب الثقة بالدولة والضمانات. وبينما يُشار دائماً إلى سلاح “حزب الله” باعتباره نقطة الجدل المركزية، الا أن الواقع أكثر تعقيداً، والحزب ليس الوحيد الذي يحتفظ بسلاح خارج إطار الدولة.

ففي عملية أمنية نفذها الجيش اللبناني قبل ثلاثة أسابيع في أطراف بلدة تبيات في قضاء عاليه، تمكّن من تفكيك معسكر تدريبي مجهّز بالكامل بالعتاد والسلاح، ومخصص لتدريب مجموعات مسلحة تضم لبنانيين وأجانب. وبحسب معلومات “لبنان الكبير”، فإن هذا المعسكر كان يؤوي عناصر تابعة لحركة “حماس” الفلسطينية، و”قوات الفجر” الجناح العسكري لـ “الجماعة الاسلامية” في لبنان. وتُظهر تفاصيل العملية أن أكثر من عشرة موقوفين تم ضبطهم، بينهم لبنانيون من بيروت، إلى جانب عناصر يحملون الجنسية الأردنية، بعضهم يتّسم بأهمية رمزية، كون آباء عدد منهم كانوا يقاتلون سابقاً في جبهة الجنوب واغتالتهم إسرائيل خلال حرب تموز.

دوافع متداخلة.. وسلاح يتجاوز التنظيم الواحد
وبحسب مصادر سيادية مطّلعة تحدّثت إلى “لبنان الكبير”، فإن استمرار نشاط هذه المجموعات المسلحة ينبع من عاملين رئيسيين:

الأول، هو الواقع اللبناني القائم، حيث لا يزال سلاح “حزب الله” خارج سلطة الدولة، ما يشجّع على بقاء مجموعات أخرى مسلحة من دون مساءلة أو رقابة كاملة. بعض القوى يعتبر أن وجود هذا التنوّع في السلاح يمنح “الحزب” غطاءً غير مباشر، وذريعة إضافية لعدم تفكيك سلاحه في غياب أي مسار شامل.

أما العامل الثاني، فيعود إلى هذه الجماعات نفسها، التي تنتمي إلى الفضاء الفلسطيني “المقاوم”، وتُبقي لنفسها مواقع خارج الأراضي الفلسطينية، تستخدمها عندما ترى الوقت ملائماً لاستهداف إسرائيل أو إعادة التموضع الاقليمي.

“حزب الله”: منطق الاستعداد المستمر
في المقابل، توضح مصادر قريبة من “حزب الله” تحدثت لـ”لبنان الكبير” أن موقف الحزب من هذه المجموعات لا ينبع من تنسيق مباشر أو شراكة ميدانية بالضرورة، بل من مقاربة أشمل تقوم على مبدأ أن “الاحتلال يولّد المقاومة”، وأنه لا يمكن مصادرة حق أي طرف – لبنانياً كان أم فلسطينياً – في الدفاع عن نفسه أمام خطر دائم.

وتشير هذه المصادر الى أن حركات كـ”حماس” وغيرها تقوم بتدريب عناصرها ضمن ما تراه ضرورياً لمواجهة إسرائيل، وليس بهدف فتح جبهة من لبنان. وتقول: “لا أحد يضمن ألا يجتاح الجيش الاسرائيلي الجنوب مجدداً. فهل على اللبنانيين والفلسطينيين أن يناموا مطمئنين بانتظار أن يستفيقوا على البندقية فوق وسادتهم؟ الاستعداد هو جزء من المنطق الدفاعي، وهذا ليس حكراً على لبنان، بل هو ممارسة معتمدة في دول العالم التي تواجه تهديدات”.

وتستشهد المصادر بالشرعية التي يعطيها الغرب للميليشيات الأوكرانية وتشكيلات “الاحتياط الشعبي” في عدة دول، لتؤكد أن “الحركات المقاومة ستبقى في طور الجهوزية ما دام هناك عدو واضح ومعروف”.

حمادة: مشروع الضغط الأميركي لا يُلزمنا
في المواقف العلنية، كرر عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب إيهاب حمادة، أن أي طرح خارجي – بما في ذلك الورقة الأميركية الأخيرة – لا يعنينا طالما يتجاوز القرار 1701 ومندرجاته. وفي مقابلة عبر إذاعة “سبوتنيك”، شدّد حمادة على أن “حزب الله لا يعتبر واشنطن وسيطاً حيادياً، بل طرف له مشروعه في المنطقة، وإسرائيل هي ذراعه التنفيذية”.

واعتبر حمادة أن الضغوط الدولية تحت عنوان “حصرية السلاح” تهدف عملياً إلى نزع نقطة القوة في لبنان، مؤكداً أن “السلاح بات مساوياً للوجود، ولا يمكن النقاش فيه من دون ضمانات حقيقية تبدأ بوقف الاعتداءات الاسرائيلية”. وشدد على أن موقف الرئيس نبيه بري يعكس موقف الحزب، لا على المستوى السياسي فحسب، بل في الترجمة الديبلوماسية للموقف اللبناني الرسمي.

ولمّح حمادة إلى أن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة، تعني فعلياً دفع البلاد نحو حرب أهلية، وهو سيناريو يرفضه الحزب بشدة. وقال: “المواجهة مع الجيش اللبناني غير واردة، ومن يطرح نزع السلاح بالقوة إنما يدعو ضمناً إلى تفجير الداخل”.

قماطي: الحوار لا الإلغاء.. والمقاومة ليست مشكلة
أما عضو المجلس السياسي في “حزب الله”، الوزير السابق محمود قماطي، فأعاد تأكيد تمسّك الحزب بخيار الدولة، مشدداً خلال احتفال تكريمي أقامه الحزب، على أن “الوحدة الوطنية هي الرد الوحيد على المشاريع الاقليمية الخطيرة”.

وقال قماطي إن “لبنان في قلب العاصفة، والخطر يتهدده من جميع الاتجاهات. والمقاومة ليست ذراعاً لأي دولة، بل هي ركيزة سيادة لبنان”. واعتبر أن منطق نزع السلاح تحت شعار “الحصرية” لا يعبّر عن واقع التهديدات، مشيراً إلى أن “السلاح غير الشرعي الذي يجب ضبطه، هو ذاك الذي يُستخدم في النزاعات الداخلية، أو بيد المافيات، أو خلال المناسبات”.

وأكد أن “حزب الله مستعد للنقاش في استراتيجية دفاعية وطنية، تشكّل المقاومة أحد أعمدتها، إلى جانب الجيش اللبناني”، معتبراً أن “المقاومة ليست عبئاً، بل حماية واستثمار وطني في وجه المشاريع الخارجية”.

وفي ردّه على ما نُقل عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمبعوث الأميركي توماس باراك حول “خطر انضمام لبنان إلى بلاد الشام إذا لم يخضع”، تساءل قماطي: “أين أصوات السياديين؟ وهل هناك أوضح من هذا التهديد لسيادة لبنان؟”، داعياً إلى تجاوز الانقسامات والمزايدات، والانخراط في مشروع حماية الدولة من دون شطب المقاومة.

سلاح متعدد الوجهات.. والحوار لا يزال مؤجلاً
تؤكّد المعلومات التي حصل عليها “لبنان الكبير”، أن السلاح خارج الدولة لا يقتصر على جهة واحدة، وأن مقاربة هذا الملف تتطلب واقعية لا تستند إلى الاتهامات فقط، بل إلى الاعتراف بتعدّد السياقات والخلفيات. من “حزب الله” إلى الجماعات الفلسطينية، هناك منظومة سلاح مترابطة أمنياً وسياسياً، ما يجعل من الحوار الوطني والاقليمي شرطاً لأي تسوية مستدامة.

في انتظار توافق داخلي على الاسراتيجية الدفاعية، يبقى ملف السلاح مفتوحاً على كل التأويلات… إلا أن الثابت، أن لا حل خارج الدولة، ولا استقرار من دون تفاهم جامع بين المكونات اللبنانية، يوازن بين الحاجة إلى الردع، والالتزام ببناء دولة سيدة وقادرة.

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة