صوت الرصاص علا على “لغة العقل” في السويداء: حتى لا يُقال السلطة التي سقطت قبل أن تحكم

أعادت أحداث السويداء إلى الأذهان حقبة بائدة مرت بها سوريا، عندما كان نظام المخلوع بشار الأسد يتعامل بالحديد والنار مع كل مطالبة بمتنفس من الحرية.

صحيح أن هناك فوارق كثيرة بين الحكم الحالي في سوريا وبين سابقه، لكن بالشكل العام أظهرت أحداث السويداء أن أداء السلطة الجديدة لم يكن في بعض أوجهه مختلفاً كثيراً عن الأداء الغابر في التعامل مع المعارضين. إذ بدا أن صوت الرصاص علا على “لغة العقل” التي وسمت بيانات الرئاسة السورية الجديدة، قولاً لا فعلاً.

مشكلة متجذّرة

من الساحل إلى السويداء، أبرزت الأحداث أن المشكلة في سوريا متجذرة، فهي تتعلق بعدم قبول الآخر أكثر من كونها صراعاً سياسياً بين أطراف تتنازع على السلطة. في الساحل بدأت “الغزوة” بذريعة قيام مجموعة من فلول النظام بالاعتداء على قوات النظام السوري الجديد، فجاء الرد لا متناسباً ولا متجانساً مع الفعل، وكانت النتيجة الكثير من القتلى المدنيين، سقطوا لأسباب طائفية بالدرجة الأولى، ومن الجانبين، ثم خًتم الملف بـ”الدم الأحمر”، من دون الاستفادة من الدروس والعبر التي أفرزتها تلك الأحداث.

في السويداء، لم تكن الأمور مختلفة كثيراً. كانت الحجة الأساسية أن جماعات من المنطقة بينها ضباط وعناصر سابقون من النظام المخلوع، تقوم وبشكل دائم باختطاف أفراد من العشائر البدوية التي بدأت الحرب، تلاها تدخل القوات المسلحة التابعة لسلطات دمشق، فكانت النتيجة مشابهة لما جرى في الساحل، وإن كانت المعارك أكثر حدة واحتداماً.

المشكلة في سوريا إذن ليست وليدة أمس قريب، بل تعود جذورها إلى سنوات خلت، إذ تؤكد المراجعة التاريخية للأحداث أن مواجهة نظام المخلوع بشار الأسد، بدأت بانتفاضة شعبية لكنها تحولت إلى حرب طائفية مذهبية بامتياز من قبل كل الأطراف، التي استعانت بدول خارجية من أجل تعزيز مواقعها القتالية ومواقفها، فلا المعارضة وفرت سبيلاً إلى ذلك ولا نظام الأسد، كلاهما استعانا بالخارج بما تيسر لهما، فكان أن تحولت سوريا إلى ساحة مواجهة مفتوحة تحاربت فيها دول عدة. ظهر ذلك من خلال دق النفير والدعوات التي سادت العالم العربي للجهاد في سوريا ضد جيش النظام، علماً أن ذلك الجيش “السفاح الظالم المجرم” سمه ما شئت، كان من أبناء البلد، لم يكن جيشاً خارجياً بل جيش يأتمر بأوامر القيادة السياسية، شأنه في ذلك شأن كل جيوش دول العالم. كما بدا جلياً في استغاثة الأسد بحزب الله اللبناني وإيران وروسيا، من أجل بسط سلطته بالقوة، فكانت الخلاصة مئات الآلاف من الضحايا غالبيتهم من السوريين.

سلطة المجموعات المسلحة

بغض النظر، ذهب نظام المخلوع، وتمكنت “هيئة تحرير الشام” من الوصول إلى السلطة في دمشق، وفيما كان منتظراً أن تستند في أدائها إلى مظلومية الشعب السوري، وتعمل من أجل تغيير كل المفاهيم السابقة في علاقة السلطة مع مواطنيها، كانت الصدمة أن هذه السلطة لم تتمكن من السيطرة حتى على المجموعات المسلحة التي تقاتل دونها، وهذا ما يفتح المجال أمام خلاصات عدة، وأسئلة ربما تعدّ لكن لا تحصى:

أولاً: حتى اليوم لم تتمكن سلطات دمشق الجديدة من بناء جيش نظامي ينفذ توجيهات المستوى السياسي من دون زيادة أو نقصان، بل ما تمتلكه هي مجموعات مسلحة عقيدتها القتالية لا تزال نفسها، وكأنها في أيام الثورة الأولى.

ثانياً: أظهرت أحداث الساحل والسويداء أن أداء “القوات النظامية” اتسم بالبعد الطائفي من خلال ممارسات بدت واضحة وتم توثيقها في أشرطة مصورة من قبل القوات نفسها، فضلاً عن أشرطة أخرى تم التقاطها لعناصر سلطات دمشق من قبل مدنيين.

ثالثاً: مارست قوات العشائر و”القوات النظامية” اساليب حرب “العصابات” بكل ما تشتمل عليه الكلمة من معنى، وقد ظهر ذلك من خلال سرقة ونهب المنازل في السويداء، وهذا أيضاً تم توثيقه بالأشرطة المصورة وحتى بعدسات مصوري وسائل إعلام عربية وعالمية تواجدت في المنطقة.

رابعا: على المستوى السياسي بدت سلطات دمشق تائهة حائرة منذ اللحظات الأولى، خصوصاً مع التدخل العسكري الإسرائيلي واستهداف السويداء وصولاً إلى العاصمة دمشق، ما اضطرها إلى الاستنجاد بالأتراك وبالأميركيين ودول عربية، فتم التوصل لاتفاق برعاية أميركية تحديداً أوقف الضربات الإسرائيلية، واتفاق آخر مع الفصائل الدرزية لإنهاء المعارك، لتصبح الأسئلة: لماذا لم تدخل القوات النظامية كضابط للأمن إلى السويداء لتفصل بين المتحاربين واختارت أن تكون طرفاً بدلاً من ذلك؟ ولماذا لم تلجأ إلى لغة التفاهم والحوار من الأساس، قبل أن تقع في تلك الهزيمة النكراء؟

ماذا عن بناء الدولة؟

إن الخلاصات السابقة، تدفع إلى القول إن ما تحتاج السلطة الجديدة في دمشق أن تعمل عليه، هو الشروع في “بناء الدولة”. صحيح أن البدايات هي من أصعب المراحل لدى كل نظام جديد، إلا أن ذلك لا يمنعه من الاعتماد على “لغة العقل” فعلاً لا قولاً، فليس جائزاً أو مقبولاً عند كل مفترق طرق أن يطلق العنان للملسحين ليعيثوا قتلاً وخراباً في هذه المنطقة أو تلك، فأهل الساحل أو السويداء هم سوريون وبالتالي إن منطق الدولة يجب أن يصب في هذا الإطار، وأي شيء خلاف هذا، يسقط الملامة سواء عن أهالي الساحل أو السويداء إذا ما فكروا بالانفصال أو الاستعانة بالخارج لمواجهة “ظلم ذوي القربى”، وعليه تسقط الاعتبارات الوطنية وهذا مضر بمصلحة الدولة قبل أي مصالح أخرى.

استناداً إلى ما سبق، يتعين على السلطة السورية الجديدة أن تتعلم من تجارب الماضي، وتذهب نحو منطق بناء دولة القانون والمؤسسات بالتعامل مع حقيقة التنوع في المجتمع السوري بجدية، لا فسح المجال لبعض المندرجين تحت لوائها اعتماد لغة الإقصاء المبنية على أسس طائفية، ضد المكونات الأخرى خصوصاً العلويين والدروز ومن خلفهم الأكراد الذين يستحيل عليهم اليوم القبول بإلقاء السلاح من دون اتفاق يضمن عدم تعرضهم لما تعرض له العلويون في الساحل والدروز في السويداء.

سوريا اليوم، ليست سوريا السابقة، أقله من الناحية الافتراضية، أو من قبيل التمنيات. السوريون الذين عايشوا ظلم وقهر آل الأسد، ها هم اليوم يختبرونها بحلة جديدة. في الماضي تم رمي المشكلة على أقلية حكمت البلاد وأدارت شؤون العباد، أما اليوم فهي بيد أكثرية. لكن ما يبدو واضحاً أن هذه السلطة لا تمتلك خبرة كافية لا على صعيد الإدارة السياسية ولا الأمنية، وهذا ليس عيباً أو عاراً، بل يجب أن يشكّل دافعاً أكبر لها حتى تتمكن من احتضان كافة المكونات تحت مظلة الدولة، وكي لا تفسح المجال أمام “المتربصين شراً بها” للقول إنها السلطة التي سقطت قبل أن تحكم!

ادهم جابر- المدن

مقالات ذات صلة