أجواء من الاحتقان الدرزي – السني : “فزعة العشائر” تسعّر الاقتتال الطائفي في السويداء

تفجّرت اشتباكات ضارية بين الفصائل الدرزية ومقاتلين من عشائر البدو على محاور عدّة في محافظة السويداء، حيث شنّ مقاتلون من العشائر هجمات متكرّرة لمحاولة الدخول إلى مدينة السويداء، خصوصًا من غرب المدينة وشمالها، ووصلوا مساء أمس إلى المدخل الغربي للمدينة التي تعرّضت لقصف عنيف، في وقت توجّهت فيه أرتال من مقاتلي البدو من محافظات سورية عدّة نحو السويداء بعد إعلان العشائر النفير العام، وسط أجواء من الاحتقان الدرزي – السني ودعوات طائفية وتحريضية ضدّ الدروز. يترقّب المحلّلون مواقف وخطوات كلّ من دمشق وتل أبيب وواشنطن حول ما يحصل في السويداء، وإمكانية تجدّد القصف الإسرائيلي على مسلّحي العشائر والقوات السورية التي تسهّل تحرّكاتهم، ويحذرون من أن استمرار الاقتتال الطائفي واستعاره أكثر سيؤدّي إلى عواقب وخيمة على كافة الأطراف المتصارعة. بالتوازي، أصدرت الرئاسة السورية بيانًا مساء أمس، أكدت فيه أن الجهات المختصّة تعمل على إرسال قوّة متخصّصة لفض الاشتباكات وحلّ النزاع ميدانيًا، متحدّثة عن إجراءات سياسية وأمنية تهدف إلى تثبيت الاستقرار وضمان عودة الهدوء إلى السويداء في أسرع وقت.
إذًا، رغم اتفاق وقف إطلاق النار بين دروز السويداء ودمشق، اشتعلت الجبهات في المحافظة المنكوبة والمحاصرة من قِبل القوات السورية، وسط اتهامات من جهات عدة بأن قوات تابعة لدمشق تشارك في قتال الدروز تحت غطاء “فزعة العشائر”، لكن الداخلية السورية نفت هذه الاتهامات، مشدّدة على أن قواتها في حال جهوزية طبيعية، من دون أي تحرّك أو انتشار في المحافظة، فيما أفاد مسؤول إسرائيلي لوكالة “رويترز” بأن تل أبيب وافقت على السماح بدخول محدود لقوات دمشق إلى السويداء لمدّة 48 ساعة، بيد أن الوحدات النظامية لم تدخل المحافظة، أقلّه بشكل رسمي، حتى كتابة هذه السطور. وأصدر وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر تعليماته بالإسراع في نقل مساعدات إنسانية عاجلة إلى الدروز في السويداء استكمالًا لحزمة سابقة قدّمتها الخارجية الإسرائيلية لدروز سوريا في آذار الماضي.
في السياق، رأى “المرصد السوري” أن سيناريو اتخاذ دمشق للاشتباكات بين الدروز والبدو ذريعة لدخول قواتها إلى السويداء يتكرّر، مشيرًا إلى أن هناك اشتباكات على أشدّها في ضواحي السويداء الغربية، وظهر بعض المشاركين من عناصر في القوى الأمنية بالصوت والصورة وبعضهم بلباس مدني، بينما جرى إحراق منازل وسيارات تعود للدروز. وسُجّل نزوح كثيف للمدنيين من البدو. لكن ظهرت في الوقت عينه أشرطة مصوّرة تُبيّن استقبال النازحين البدو في منازل ومضافات ومراكز للدروز.
لاحقًا، ذكر “المرصد” أن قصفًا مدفعيًا وصاروخيًا عنيفًا طال عددًا من الأحياء السكنية المتفرّقة في مدينة السويداء وتجمّعات الفصائل الدرزية مساء أمس، مصدرها قوات دمشق وقوات العشائر الموالية لها. وأشار إلى استمرار التصعيد الأمني في السويداء، في حين تجمّع مسلّحون من العشائر قادمون من جهة البادية السورية بالقرب من قرية بارك في شمال شرق المحافظة تمهيدًا للمشاركة في المعارك، وفق موقع “السويداء 24”.
وأفاد الموقع بأن معارك كر وفر مستمرّة على ثلاثة محاور في ريف السويداء الغربي، والشمالي، والشمالي الشرقي، مع تحشيد مستمرّ من قِبل المجموعات المسلّحة السنية القادمة من خارج المحافظة لتصعيد القتال، وسط تصاعد الأزمة الإنسانية في السويداء. ونزح عشرات الآلاف من أهالي مدينة السويداء وقرى المحافظة في اتجاه المناطق القريبة من الحدود السورية – الأردنية ودرعا خلال الأيام الماضية، وسط انقطاع واسع النطاق لشبكات الاتصالات والكهرباء والمياه في المحافظة منذ ستة أيام، فضلًا عن خروج مستشفى السويداء الوطني من الخدمة، إذ تحوّل إلى “مقبرة جماعية”. وأعربت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن قلقها العميق إزاء التدهور السريع للوضع الإنساني في السويداء.
دفعت هذه التطورات الميدانية الدراماتيكية وتفاقم المآسي، مطرانية بصرى حوران وجبل العرب للروم الأرثوذكس للدعوة إلى فتح المعابر الإنسانية، والمساهمة في إنهاء الحصار على السويداء، جازمة بأنه “نحن باقون في هذا الجبل إلى المنتهى”. كما أصدر المسيحيون الكاثوليك في السويداء بيانًا شدّدوا فيه على تمسّكهم بأرضهم ورفضهم لأي دعوات للنزوح أو الهجرة، مطالبين بتوفير حماية دولية عاجلة لهم ولسكان المحافظة كافة.
في الغضون، أفاد “المرصد” بأن سيارات تابعة للأمم المتحدة حاولت العبور في اتجاه السويداء، إلّا أنها مُنعت من المرور من قِبل الأهالي في مدينتي الحارة ونوى، وتوقفت في مناطق في ريف درعا. وطالب المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك بوقف سفك الدماء والعنف وأولوية حماية جميع الأفراد، داعيًا إلى إجراء تحقيقات مستقلّة، سريعة وشفافة في كلّ أعمال العنف، وإلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الواسعة النطاق لحقوق الإنسان خلال القتال، ومنها عمليات إعدام من دون محاكمة عادلة وخطف. وأشارت المفوضية الأممية إلى أن 13 شخصًا على الأقل قُتلوا من دون مسوغ قانوني في واقعة واحدة الثلثاء الماضي عندما أطلق أفراد تابعون لدمشق النار على تجمّع عائلي، كما أُعدم ستة رجال من دون إجراءات قانونية واجبة بالقرب من منازلهم في اليوم نفسه.
وحضت المفوضية كافة الأطراف على السماح بوصول المساعدات الإنسانية، فيما أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح تشكيل غرفة عمليات مشتركة خاصة بمحافظة السويداء. وكشف موقع “السويداء 24″، تعرّض الكوادر الإسعافية في السويداء لممارسات طائفية على يد القوات السورية والفصائل التابعة لها، منها حلق شوارب وعمليات إعدام ميداني. وبلغت حصيلة الضحايا منذ صباح الأحد الماضي نتيجة الاشتباكات وعمليات الإعدام الميداني والقصف الإسرائيلي 638 قتيلًا، من ضمنهم 219 من أبناء السويداء، بينما أُعدم ميدانيًا برصاص عناصر من وزارتي الدفاع والداخلية 112 شخصًا، مقابل إعدام ثلاثة من عشائر البدو ميدانيًا من قِبل مسلّحين دروز، وفق “المرصد”.
إلى ذلك، كشف “المرصد” أن القصر الجمهوري في دمشق رفض اتفاق هدنة جرى التفاوض حوله أخيرًا بين وجهاء من محافظة درعا وبدو حوران من جهة، وقيادات دينية وميدانية في السويداء من جهة أخرى، كان يهدف إلى وقف دائم لإطلاق النار وإنهاء التوترات والاقتتال بين أهالي السويداء والعشائر. وجاء هذا الاتفاق بعد اتصالات مكثفة ومبادرات وطنية قادها وجهاء من درعا مع الرئيس الروحي لدروز سوريا الشيخ حكمت الهجري وعدد من القوى المؤثرة في السويداء، حيث وافقت الأخيرة على تسليم كافة الأسرى كخطوة أولى لبناء الثقة، على أن يجري التوصل إلى حل سلمي دائم برعاية شخصيات حورانية، لكن القصر الجمهوري أحال ملف المبادرة إلى قائد الأمن الداخلي في السويداء أحمد الدالاتي، الذي أبلغ الوسطاء برفض الرئاسة لهذا الاتفاق، معتبرًا أن الموافقة عليه تعني القبول بالهزيمة.
في الأثناء، أعرب الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان خلال مكالمة هاتفية، عن قلقهما الكبير حيال أعمال العنف في سوريا، واتفقا على الحاجة إلى استقرار الأوضاع في سوريا من خلال تعزيز التوافق الوطني والحوار، حسب الكرملين، في حين أفادت الرئاسة التركية بأن أردوغان أكد لبوتين حرص بلاده على استتباب الأمن والاستقرار في سوريا، موضحًا له أن “الاشتباكات التي أعقبت انسحاب قوات الأمن السورية من السويداء تشكّل تهديدًا للمنطقة بأسرها”. وشدّد على ضرورة امتناع إسرائيل عن انتهاكاتها للسيادة السورية.
وجدّد مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا غير بيدرسون تأكيده ضرورة أن “يسود الاستقرار والسلم الأهلي في سوريا وتجنب الأعمال الانتقامية، كما يجب أن تتوقف انتهاكات إسرائيل الاستفزازية فورًا، وأن تكون الأولوية للانتقال السياسي الموثوق والمنظم والشامل”. وكشف أنه تحدّث الخميس مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، بحيث حض على ضبط النفس، وحماية كافة مكونات الشعب السوري.
على صعيد آخر، أفاد الرئيس التنفيذي لشركة “أرغنت” للغاز الطبيعي المسال جوناثان باس بأن شركات “بيكر هيوز” و”هانت إنرجي” و”أرغنت” الأميركية ستعدّ خطة رئيسية لقطاع النفط والغاز والطاقة في سوريا، في شراكة تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية للطاقة في البلاد.
نداء الوطن