“وقف إطلاق النار” في سوريا “انتزع بالقوة”: السويداء تكسب رهان “الأمن الذاتي”

غادرت القوات السورية محافظة السويداء نتيجة مقاومة الدروز لها، فضلًا عن رسم تل أبيب لدمشق خطوطًا حمراء متصلة بالوضعية الدرزية والجنوب السوري منزوع السلاح، بالنار. وبعد الانسحاب الذي شكّل أوّل خسارة عسكرية مدوّية لدمشق منذ سقوط نظام الأسد، بدت مدينة السويداء منكوبة وبدأت تلملم جراحها شيئًا فشيئًا، لكن حجم المأساة هائل، فجثث القتلى كانت منتشرة في الشوارع وداخل المنازل وسط انقطاع واسع في خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات منذ أيّام. مشّط عناصر من فصائل درزية شوارع المدينة وأنحاء أخرى من المحافظة، مع تسجيل هجمات ثأرية ضدّ عشائر البدو في السويداء، الذين كانت الاشتباكات السابقة معهم حجّة لدخول قوات دمشق المنطقة، ما تسبّب بموجة نزوح للبدو، خصوصًا نحو درعا، فيما شنّ مقاتلون من البدو هجومًا جديدًا في محافظة السويداء على مقاتلين من الدروز.

وأوضح قائد عسكري من البدو لوكالة “رويترز” أن الهدنة تنطبق فقط على القوات الحكومية وليس على البدو، وأن مقاتلي البدو يسعون إلى تحرير بدو احتجزتهم جماعات درزية مسلّحة في الأيام الأخيرة. وتحدّث “المرصد السوري” عن انتشار لمجموعات من عشائر البدو في قرى تعارة والدور والدويرة والطيرة في ريف السويداء. ويأتي هذا التحرّك ضمن إعادة تموضع وانتشار للمجموعات المسلّحة في المنطقة بعد انسحاب القوات السورية. وكان لافتًا تنفيذ إسرائيل مساء أمس، غارات استهدفت تجمّعات لمقاتلي البدو قرب قرية ولغا بالتوازي مع هجومهم على القرية، وفق المرصد. وبالتالي، يبدو أن الاشتباكات لم تنتهِ بعد بشكل كامل، خصوصًا أن الأجواء ما زالت متشنجة طائفيًا للغاية مع تكشف حجم الفاجعة الإنسانية والخسائر المادية في السويداء. وكان الرئيس السوري أحمد الشرع قد اتهم في كلمة وجّهها للسوريين، إسرائيل، بمحاولة تقسيم البلاد، معلنًا “تكليف بعض الفصائل المحلّية ومشايخ العقل مسؤولية حفظ الأمن في السويداء”، في خطوة اعتبر أن هدفها “تجنب انزلاق البلاد إلى حرب واسعة جديدة”.

وأشاد الشرع بـ “الوساطة الدولية التي بادرت بها أميركا والدول العربية وتركيا والتي ساهمت في إنقاذ المنطقة من مصير مجهول”. وأوضح أنه “لسنا مِمّن يخشى الحرب ونحن الذين قضينا أعمارنا في مواجهة التحديات والدفاع عن شعبنا، لكننا قدّمنا مصلحة السوريين على الفوضى والدمار”. وخاطب الدروز بالقول: “نرفض أي مسعى يهدف لجرّكم إلى طرف خارجي”، متعهّدًا بمحاسبة كلّ من ارتكب انتهاكات بحقهم. وجاءت كلمته بعيد غارات إسرائيلية عنيفة على مبنى الأركان العامة في دمشق، وكذلك ضربات في محيط القصر الرئاسي، فضلًا عن ضرب أهداف عسكرية في السويداء ودرعا وريف دمشق، جعلت دمشق عمليًا تخسر “جولة السويداء”.

في المقابل، تباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن “وقف إطلاق النار” في سوريا “انتزع بالقوة” وليس “من خلال المطالب أو الاسترحام”، مشيرًا إلى أن حكومته وضعت سياسة واضحة لنزع السلاح من جنوب دمشق ومرتفعات الجولان إلى منطقة جبل الدروز. وأوضح أنه “بسبب نشاطنا المكثف انسحبت القوات السورية إلى دمشق، وهذا أمر مهمّ”، لافتًا إلى أن الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل موفق “طريف هو من طلب منا مساعدة الدروز في سوريا”، حيث “تحرّكنا وسنواصل التحرّك حسب الضرورة”، في وقت طالب فيه الرئيس الروحي لدروز سوريا الشيخ حكمت الهجري بفتح ممرّات في اتجاه مناطق سيطرة “قسد” والأردن لما لهذه الطرق من أهمية إنسانية في هذه اللحظات الحرجة، معلنًا الحداد العام في السويداء.

وتحدّث الهجري، الذي لعب دورًا محوريًا في قيادة التصدّي لقوات دمشق وكسب الرهان باستمرار احتفاظ دروز السويداء بأمنهم الذاتي داخل المحافظة، عن “لحظات عصيبة” تمر بها السويداء، بعد “استهداف المدنيين العزّل وقتل الأبرياء بوحشية”، معلنًا السويداء “بلدًا منكوبًا”. وأكد “تطهير السويداء من نجس الإرهابيين”، داعيًا الدروز إلى “رصّ الصفوف ومواساة أهالي الشهداء”. بالتوازي، كشف “المرصد السوري” أن بلدة قلعة جندل ذات الغالبية الدرزية في منطقة قطنا في جنوب ريف دمشق، شهدت توغلًا مفاجئًا نفذته قوة إسرائيلية دخلت المنطقة بعدة آليات عسكرية، في تطوّر ميداني نادر من نوعه داخل الحدود السورية، وعلى مقربة من دمشق.

في الأثناء، تلقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالًا هاتفيًا من الشرع، حيث رحّب بما أعلنه الأخير من ترتيبات وإجراءات لاحتواء الأحداث الأخيرة، معربًا عن ثقة المملكة بقدرة الحكومة السورية بقيادة الشرع على تحقيق الأمن والاستقرار. ونوّه بالجهود التي يبذلها الشرع لاستمرار سوريا في مسارها الصحيح الذي يكفل المحافظة على وحدتها وسلامة أراضيها وعدم السماح لأي بوادر فتنة تهدف إلى زعزعة أمنها واستقرارها. وجدّد بن سلمان تأكيد موقف المملكة الثابت في مساندة سوريا والوقوف إلى جانبها، مؤكدًا إدانة بلاده “الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على الأراضي السورية والتدخل في شؤونها الداخلية”.

توازيًا، كشفت الرئاسة التركية أن الرئيس رجب طيب أردوغان والشرع ناقشا هاتفيًا الهجمات الإسرائيلية على دمشق، حيث أكد أردوغان أن الهجمات الإسرائيلية غير مقبولة وتشكل تهديدًا للمنطقة بأكملها، مرحّبًا بوقف إطلاق النار. ورأى أردوغان لاحقًا أن هناك مساعي لتخريب الهدنة وهذا يدل على أن “إسرائيل لا تريد السلام في سوريا”، معتبرًا أن الدولة العبرية “تستخدم الدروز ذريعة لفرض بلطجتها على سوريا”. وإذ وصف إسرائيل بـ “دولة إرهابية”، حسم أن أنقرة “لن تسمح بتقسيم سوريا”. وشدّدت الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين والعراق وسلطنة عُمان وقطر والكويت ولبنان وتركيا في بيان على دعم أمن سوريا ووحدتها واستقرارها. كما دانت روسيا وإيران الهجمات الإسرائيلية على سوريا.

وفي الإطار ذاته، اعتبر البيت الأبيض أن وقف الصراع في سوريا صامد على ما يبدو، مؤكدًا مواصلة واشنطن “مراقبة الوضع بنشاط كبير”. وندّدت الخارجية الأميركية بالعنف في سوريا، داعية كلّ الأطراف إلى التراجع والانخراط في حوار هادف يُفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار. وأكدت أن واشنطن تُشرك كافة الأطراف في سوريا بنشاط للمضي قدمًا نحو الهدوء ومواصلة المناقشات حول وحدة البلاد، مطالبة دمشق بقيادة الطريق إلى الأمام. وكان مسؤول في الخارجية الأميركية قد طالب سوريا بالتحقيق في “كافة تقارير الانتهاكات” ومحاسبة الجناة، وفق “رويترز”، مؤكدًا أنه “لا تغيير في السياسة الأميركية تجاه سوريا”، في حين دعت الخارجية الفرنسية “الجانبَين إلى احترام وقف إطلاق النار في السويداء والتحقيق في ما ارتكب بحق الأقليات”. بالتزامن، عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي في شأن سوريا.

يأتي ذلك بعدما استفاق أهالي السويداء إثر انسحاب قوات دمشق على مشاهد الجثث المتناثرة في الشوارع والبيوت المنهوبة والمحروقة، فيما وثق “المرصد السوري” 56 حالة إعدام ميداني بحق مدنيين دروز، وُجدت جثثهم في شوارع وأحياء مختلفة داخل المدينة وريفها. وكشف موقع “السويداء 24” مجزرة مروّعة طالت عائلة كاملة مؤلّفة من 12 فردًا، بينهم ثماني نساء وفتيات، ورجل مسن عاجز من آل مزهر، في مدينة السويداء في شرق حي الكوم. وذكر المرصد أنه نتيجة الاشتباكات وعمليات الإعدام الميداني والقصف الإسرائيلي، قتل 597 شخصًا، منهم 217 من أبناء محافظة السويداء، بينهم 71 مدنيًا، منهم 4 أطفال و4 سيّدات، و275 من عناصر وزارة الدفاع والأمن العام، بينهم 18 من العشائر البدوية، كما قتل 15 من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية وثلاثة أشخاص آخرين من جرّاء الغارات الإسرائيلية.

في الغضون، أفادت وكالة “سانا” بقيام “مجموعات خارجة عن القانون بالاعتداء على حي المقوس، وارتكاب مجازر وانتهاكات بحق المدنيين”، موضحة أن “تلك المجموعات هاجمت الحي، وارتكبت مجازر بحق النساء والأطفال، ونفذت تصفيات ميدانية وانتهاكات بحق أبناء المنطقة من العشائر والبدو، ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد كبير من المدنيين”. وذكرت أنه “منذ ساعات الصباح تمّ تسجيل حركة نزوح وتهجير قسري لعشائر البدو في ريف السويداء، وسط تهديدات من قِبل مجموعات خارجة عن القانون باستهدافهم”.

وحصل “المرصد السوري” على شريط مصوّر وصور توثق إعدامًا ميدانيًا لثلاثة مدنيين من عشائر البدو في مدينة السويداء، بينهم طفل وسيدة قُتلوا في ظروف وحشية على يد فصائل درزية محلّية، وسط تصاعد التوترات ذات الطابع الطائفي، ومناشدات من المدنيين لحمايتهم من عمليات الانتقام والانتهاكات، ولا سيما في حي المقوس. وسارع مشايخ دروز إلى العمل على منع العمليات الانتقامية، واستقبل عدد منهم نازحين من البدو لحمايتهم من الهجمات، فيما أكد الشيخ الهجري أن “من يرتكب الانتهاكات يمثل نفسه”، جازمًا بأنه “سنبقى ملتزمين بروح التسامح”. وإذ رأى أنه “دفعنا ثمنًا باهظًا نتيجة سياسات حكومة تكفيرية”، اعتبر أن “الحل في الحكمة وليس في السلاح”.

نداء الوطن

مقالات ذات صلة