لوحة لم تكتمل بعد بين دمشق -تل أبيب: تسوية إقليمية تضع لبنان على المحك… والحزب يتحمل المسؤولية؟

وسط الغموض الذي يلفّ المفاوضات غير المعلنة بين دمشق وتل أبيب، بدأت ملامح الاتفاق الأمني المرتقب تتسرّب، وكان لـ”المدن” تقرير حصري يسلّط الضوء على التقدم الحاصل في هذه المحادثات، التي تبيّن أن ما يجري ليس مجرد ترتيبات حدودية، بل إعادة رسم عميقة لخريطة النفوذ الإقليمي، يُخشى أن يكون لبنان إحدى ساحاتها الأساسية.

بحسب المعلومات، فإن المسودة الأولى للتفاهم الجاري بين الجانبين، برعاية خليجية وغربية غير معلنة، تتجاوز خطوط فض الاشتباك في الجولان، لتضع أسس تعاون أمني “عابر للحدود” بين إسرائيل وسوريا، يشمل مواجهة “الخطر” أو “الأعداء المشتركين”: حزب الله وإيران.

يطرح الجانب الإسرائيلي بشكل واضح أن أي اتفاق مع دمشق لا يمكن أن يُبرم دون التزام سوري بضبط هذا “الخطر”، وهو ما تعتبره تل أبيب جوهر أي تفاهمات مستقبلية. اللافت أن جزءاً من هذا التعاون الأمني قد يمتد، بحسب بعض البنود، إلى مناطق خارج سوريا، وتحديداً إلى لبنان.

تحذيرات من مخاطر “التلزيم الأمني”

ترى مصادر قيادية بارزة في الثنائي الشيعي أن ما يجري على خط دمشق–تل أبيب يثير “مخاوف مشروعة” من أن يتحول إلى مدخل غير مباشر لإعادة تكليف سوريا بدور أمني في لبنان، “ضمن تفاهم إقليمي يشبه إلى حد بعيد ما جرى بعد اتفاق الطائف، لكن في نسخة أمنية لا سياسية، وبعناوين محددة”. تضيف المصادر لـ”المدن” أن “الخطر لا يكمن في عودة النفوذ السوري بحد ذاته، بل في السياق الذي قد تتم فيه هذه العودة، أي عبر تلزيم أمني بغطاء أميركي–إسرائيلي، يهدف إلى ضبط الجبهة الشرقية والتضييق على المقاومة، تحت شعار التنسيق الأمني من أجل ضمان استقرار الحدود”.

ولا تنفي المصادر نفسها أن العلاقات بين سوريا وإسرائيل هي شأن سوري، لكنها ترى أن الإشكالية تكمن في انعكاسات هذا التفاهم على لبنان. فـ”السيناريو الأخطر” من وجهة نظرها يتمثل في انزلاق سوريا إلى شراكة أمنية مع إسرائيل تطال لبنان عملياً، تحت عنوان “ضبط الحدود” أو عبر تبادل معلومات حول تحركات المقاومة. “وهذا، إن حصل، سيكون بمثابة انقلاب استراتيجي جديد في المشهد الإقليمي”، تقول المصادر.

وترى أن هذا التوجّه لا يمكن فصله عن تصريح المبعوث الأميركي توم باراك، الذي تحدث عن احتمال إعادة دمج لبنان في سياق “بلاد الشام الكبرى”، معتبرة أن باراك، كما مراكز القرار الأميركية، لا يتحدث فقط عن دمج إداري واقتصادي، بل عن إعادة صياغة السيطرة والنفوذ، بما يتيح إدارة الحكم في لبنان. وهذا قد يُفسر، في أحد أوجهه، بوضع لبنان مجدداً في عهدة دمشق، كما كان الحال بعد الطائف، لكن برعاية أميركية مباشرة هذه المرة.

وتشدّد المصادر على أن التفاهم المحتمل بين دمشق وتل أبيب ستكون له ثلاثة تداعيات محتملة على لبنان:

المراقبة: أي أن يُطلب من سوريا مراقبة وضبط أي حركة تهريب سلاح من أو إلى لبنان، في خطوة تهدف إلى خنق تدريجي للمقاومة من الخاصرة الشرقية.

التلزيم: سيناريو شبيه بمرحلة التسعينيات، لكن في إطار أمني هذه المرة، وقد يتطور لاحقاً إلى شراكة سياسية.

التورط المباشر: وهو الأخطر، ويعني تحول سوريا إلى طرف في أي مواجهة أمنية أو سياسية مع حزب الله، سواء بشكل مباشر أو عبر أذرعها الأمنية.

حزب الله يتحمّل المسؤولية؟

في المقابل، تنقل مصادر نيابية مسيحية قراءة مختلفة تماماً، تعتبر أن “ما يجري اليوم هو نتيجة طبيعية لوضع لبنان في قلب الصراع الإقليمي، وهو ما لم يحصل بإرادة السوريين ولا الإسرائيليين، بل بإصرار حزب الله على لعب أدوار تتجاوز قدرة لبنان على الاحتمال”.

وتُشير المصادر لـ”المدن” إلى أن “حين قرر حزب الله أن يكون لاعباً إقليمياً من سوريا إلى العراق واليمن، فقد زجّ بلبنان في لعبة أمم أكبر من حجمه، وها هو اليوم يحصد النتائج، بعدما ورّط البلد بأكمله”. وتتابع أن الحزب يتحمّل مسؤولية إخراج لبنان من هذا المأزق من خلال تسليم سلاحه، والبدء ببناء دولة تحتكر قرار الحرب والسلم، وتُجري الإصلاحات المطلوبة. وتشدد على أن “لبنان أمام خطر وجودي، وطريق الحفاظ عليه باتت واضحة، برعاية دولية وعربية، تبدأ من خلال الحكومة اللبنانية، التي عليها اتخاذ قرارات مصيرية لحماية البلاد”. وتضيف: “هذا سيكون عنوان المرحلة المقبلة”.

في المحصلة، ما يُصاغ في كواليس التفاهم السوري–الإسرائيلي هو جزء من لوحة إقليمية متحركة لم تكتمل بعد، لكن الثابت الوحيد حتى الآن، أن لبنان ليس الملف الأساسي في حسابات “الرسامين” الدوليين، بل مجرد هامش ضمن تسويات أكبر تُرسم بالخط العريض.

محمد علوش- المدن

مقالات ذات صلة