حدود تحت الوصاية: سيناريو إسرائيلي بالاجتياح البري!

يبدو الجنوب اللبناني اليوم وكأنه يستعيد مشاهد متفرقة من فصول احتلاله الطويل، لكن بأدوات مختلفة: اجتياحات إسرائيلية محدودة تحت مسمّى “عمليات برية دفاعية”، ومبادرات بريطانية لإعادة نصب الأبراج الأمنية على طول الحدود، في مشهد يُعيد إلى الأذهان صورة “الخط الأزرق” كمنطقة مراقبة دولية مشددة، تكاد تفرغ الجنوب من أي نفوذ لبناني فعلي خارج سلطة الجيش و”اليونيفيل”.
وقد أعلن الجيش الاسرائيلي عن تنفيذ عمليات برية في عمق الأراضي اللبنانية، استهدفت بنى تحتية يقول إنها تابعة لـ “حزب الله”. العمليات التي قادتها الفرقة 91 لم تقتصر على القصف أو الاستهداف الجوي، بل شملت تحركات ميدانية لتفكيك منشآت عسكرية، وكأننا أمام سيناريو “اجتياح محدود”، يحمل في طياته رسائل واضحة: إسرائيل لن تنتظر طويلاً الى حين تطبيق أي تفاهم أو اتفاق، بل ستفرض أمنها الميداني متى رأت أن “حزب الله” يحاول إعادة بناء مواقعه أو تعزيز وجوده جنوب الليطاني.
الأخطر في البيان الاسرائيلي ليس مضمون العمليات وحسب، بل الإصرار على وضعها في إطار “التفاهمات القائمة بين إسرائيل ولبنان”، في إشارة إلى القرار 1701 وإلى تفاهمات غير معلنة ترى تل أبيب أنها تعطيها الحق في التدخل الميداني دفاعاً عن أمنها، وهو تفسير ترفضه بيروت، لكن لا تملك القدرة الكافية لمنعه عملياً.
بريطانيا تعود إلى الحدود.. بأبراج هذه المرة
وفي موازاة هذا التصعيد، جاء العرض البريطاني ليعيد رسم المشهد الحدودي. فبعد أن بنت لندن عشرات الأبراج على الحدود اللبنانية – السورية منذ العام 2014 لمراقبة التهريب، ها هي اليوم تعرض على الجيش اللبناني إنشاء أبراج مراقبة مماثلة على طول الحدود مع إسرائيل.
الهدف المُعلن: تعزيز قدرات الجيش اللبناني على المراقبة وضبط الأمن، وتوثيق الخروق من الجانبين. لكن خلف هذا العنوان البسيط، تُطرح أسئلة حساسة عن وجهة الكاميرات، ودقة المراقبة، وطبيعة التنسيق الأمني، خصوصاً في ظل رفض “حزب الله” لأي مراقبة دولية أو أجنبية تُسهّل كشف تحركاته جنوباً.
الأبراج البريطانية، التي طُرحت فكرتها مجدداً خلال زيارة وزير الخارجية ديفيد لامي إلى بيروت، ليست جديدة بالكامل، لكنها اليوم تكتسب بُعداً سياسياً إضافياً، في ظل تزايد الضغوط الدولية لإلزام لبنان بتطبيق القرار 1701 بصورة كاملة، وخصوصاً بند حصر السلاح بيد الدولة.
بين الاحتلال والمراقبة.. من يملأ الفراغ الأمني؟
الواقع على الأرض يكشف معادلة خطيرة: إسرائيل تملأ الميدان بعملياتها البرية كلما شعرت بفراغ أمني أو تقاعس رسمي لبناني عن ضبط “حزب الله”، في حين تسعى الدول الغربية إلى ملء الفراغ التقني من خلال تزويد الجيش اللبناني بأدوات المراقبة والمتابعة، بما في ذلك الأبراج والكاميرات المتطورة.
السلطة اللبنانية الرسمية، في المقابل، تجد نفسها مرة جديدة بين نارين: إذا رفضت العروض الغربية، تتهم بالتقصير عن ضبط السلاح، وإذا قبلتها، تتهم بأنها ترهن الجنوب لمراقبة دولية قد تتحول لاحقاً إلى وصاية جديدة.
ملامح المرحلة المقبلة: حدود تحت الوصاية؟
الجنوب اللبناني يتحول تدريجياً إلى مسرح مراقبة متعدد الجنسيات، بين “اليونيفيل”، وأبراج بريطانية، وعمليات إسرائيلية أحادية الجانب. وفي الوقت الذي يناقش فيه اللبنانيون الرد على الورقة الأميركية ومصير سلاح “حزب الله”، تتحرك القوى الاقليمية والدولية لرسم حدود أمنية جديدة، تعيد لبنان إلى مربعات السيطرة غير المباشرة.
إنها مرحلة دقيقة قد تفضي إلى واحدة من نتيجتين: إما ترسيخ معادلة الدولة القوية الممسكة بأمن حدودها، أو تثبيت نموذج “الحدود المراقبة”، حيث تتحول الدولة إلى شريك ثانوي في إدارة أمنها السيادي.
لبنان الكبير
