3 مبعوثين أميركيين منذ 2022: لبنان بين الأساليب الثلاثة.. المصير واحد؟

في غضون ثلاث سنوات فقط، تنقّل لبنان بين ثلاث شخصيات أميركية حملت معها كل واحدة أسلوباً مختلفاً، وخلفية متناقضة، ووسائل متباينة للتعامل مع واحدة من أعقد الأزمات الاقليمية: النزاع بين لبنان وإسرائيل، وأبعاده المرتبطة بسلاح “حزب الله”، والنفوذ الايراني، والأمن الاقليمي. من آموس هوكشتاين إلى مورغان أورتاغوس، وصولاً إلى توماس باراك، تغيّرت اللهجة والأسلوب، لكن الهدف بقي ثابتاً: دفع لبنان إلى الانضواء تحت سقف المعادلة الأميركية الكبرى في الشرق الأوسط.
هوكشتاين: الوسيط البارع بين الضدين
مع آموس هوكشتاين، الاسرائيلي الأصل، بدأت واشنطن تلعب دور الوسيط “الذكي”. هوكشتاين الذي خدم في الجيش الاسرائيلي، لكنه حمل هوية أميركية متقنة التوازن، عرف كيف يبني الثقة مع الطرفين، اللبناني والاسرائيلي، مستخدماً لغة ديبلوماسية ناعمة، قائمة على “الربح المتقارب”. لم يكن رجل تهديدات أو ضغوط مباشرة، بل كان مهندساً لاتفاق ترسيم الحدود البحرية، وأحد أبرز من صاغوا اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب.
كان هوكشتاين في كثير من الأحيان أقرب إلى الديبلوماسي التجاري، الذي يعرف كيف يبيع التسويات للطرفين كلغة مصالح متبادلة، لا كتنازلات. وبينما كان يتقن فن الغزل السياسي مع المسؤولين اللبنانيين، كان في الوقت نفسه يطمئن إسرائيل بأن الأمن محفوظ.
أورتاغوس: الوجه الجميل للقبضة الحديدية
ومع عودة دونالد ترامب إلى الواجهة، دخلت مورغان أورتاغوس المشهد، لتكون الوجه الجديد للسياسة الأميركية المتشددة. ضابطة سابقة في البحرية، ومتحدثة سابقة باسم الخارجية الأميركية، حملت إلى الشرق الأوسط شخصية لا تعرف المراوغة ولا “الديبلوماسية الناعمة”.
أورتاغوس، على الرغم من ملامحها الجميلة، لم تعرف إلا لغة العصا. وضعت الخطوط الحمر للبنان من دون قفازات: لا سلاح خارج الدولة، لا مشاركة لـ “حزب الله” في الحكومة، لا مساومة على أمن إسرائيل. اعتبرها البعض وقحة في تصريحاتها، صدامية في أسلوبها، لكنها عبّرت بوضوح عن وجه الادارة الأميركية في تلك المرحلة: لا مكان للتسويات الناعمة مع إيران ووكلائها.
كانت أورتاغوس تمثل الوجه التنفيذي للموقف الأميركي المتشدد، حاملةً معها خليطاً من الخبرة العسكرية، الديبلوماسية، والاعلامية، ما جعلها واحدة من أبرز وجوه السياسة الأميركية في المنطقة.
باراك: جامع السياسة والمال والنفوذ المحلي
ثم جاء توماس باراك، الرجل الذي يشبه هوكشتاين في القدرة على بناء الجسور، لكنه يختلف عنه في الخلفية والنوايا. باراك هو رجل الأعمال الذي جمع بين القانون والعقارات، بين السياسة والمال، وبين أميركا ولبنان. جذوره اللبنانية الكاثوليكية منحته سمة القرب من الثقافة المحلية، بينما منحته صداقته القديمة بترامب موقعاً متقدماً في القرار الأميركي.
باراك ليس مجرد وسيط أو مبعوث، بل هو شخصية أميركية متعددة الأبعاد: رجل استثمارات في الشرق الأوسط، ديبلوماسي في تركيا وسوريا، ومفاوض فعلي في لبنان. يمتلك قدرة على لعب دور الوسيط الأمني والسياسي بديناميكية شديدة، فيمزج بين الضغط الاقتصادي والليونة الديبلوماسية، وبين فهمه للبيئة اللبنانية وقدرته على مخاطبة الاسرائيليين بلغة المصالح.
لبنان بين الأساليب الثلاثة.. والمصير واحد
مع كل مبعوث، تغيّر أسلوب الضغط الأميركي على لبنان:
هوكشتاين حاول إقناع الجميع بأن التسوية رابحة للطرفين؛
أورتاغوس حاولت فرض القرار بالقوة السياسية والأمنية؛
باراك يجمع بين المال والسياسة، بين الضغوط والحوافز، بين فهم الداخل اللبناني ولعبة التوازنات الاقليمية.
لكن في كل الحالات، الهدف الأميركي واحد: تفكيك سلاح “حزب الله” أو احتواؤه ضمن سلطة الدولة، حماية أمن إسرائيل، ومنع إيران من استخدام لبنان كساحة حرب إضافية.
ويبقى السؤال المفتوح: هل يستطيع لبنان أن يفاوض المبعوثين الأميركيين، أيّاً كانوا، من موقع الدولة القادرة على صياغة شروطها، أم يبقى ملعباً يتغيّر اللاعبون فيه، لكن تبقى النتائج نفسها؟
محمد شمس الدين- لبنان الكبير


