تسوية معقدة وتسليم مشروط. للـ”سلاح الاستراتيجي “…وانسحاب إسرائيلي تدريجي

تعيش بيروت سباقاً حساساً بين مسار تفاوضي شاق تقوده القيادة اللبنانية، وتهديدات متواصلة تلوّح بها التطورات الاقليمية. فمنذ أكثر من عشرة أيام، يتولى رئيس مجلس النواب نبيه بري إدارة مفاوضات دقيقة مع الأميركيين، وفي مقدمهم الموفد توماس باراك، بهدف تعديل بنود المقترح الأميركي المتعلق بسلاح “حزب الله”. ووفق مصادر رئاسية، يدرك الجانب اللبناني صعوبة تطبيق المقترح بصيغته الحالية، لما يفتقر إليه من توازن يحفظ الاستقرار الداخلي.
تسليم مشروط.. وانسحاب إسرائيلي تدريجي
بحسب المعلومات التي نقلتها مصادر مطلعة على جو المفاوضات لموقع “لبنان الكبير”، فإن موضوع تسليم السلاح لم يعد من المحرمات، لكنه يرتبط بشروط واضحة. إذ يطالب الأميركيون بتسليم السلاح الاستراتيجي حصراً — أي الصواريخ البعيدة المدى والطائرات المسيّرة — إلى الجيش اللبناني، خلال مهلة تنتهي في تشرين الأول المقبل، فيما يُستثنى السلاح المتوسط والخفيف من عملية التسليم.
ويقترح الجانب الأميركي أن تُنفّذ العملية على خمس مراحل، تتوزع على خمس محافظات لبنانية، بحيث يقابل كل تسليم جزئي انسحاب تدريجي للجيش الاسرائيلي من تلة حدودية. وبهذا الشكل، يصبح السلاح والانسحاب عنصرين مترابطين في معادلة واحدة.
لكن المفاوضات لا تزال تصطدم بأسئلة مصيرية: من يضمن أمن الجنوب اللبناني خلال تنفيذ الاتفاق؟ ومن يضمن التمويل المطلوب لإعادة إعمار المناطق التي عانت من الحروب المتتالية؟
“حزب الله” بين عاشوراء والمراجعة الداخلية
الأنظار تتجه هذا الأسبوع إلى خطاب الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم، الذي يخوض أول موسم عاشوراء له بعد اغتيال السيد حسن نصر الله في أيلول الماضي. ومن المتوقع أن يحافظ قاسم على خطاب تصعيدي خلال الأيام المقبلة، قبل أن يمهّد تدريجياً لأجواء التهدئة استعداداً لدخول الحزب في تسوية سياسية محتملة.
إلا أن المواقف العلنية للحزب لا تزال تتراوح بين التشدد والانفتاح. ففي حين تشدد كتلة “الوفاء للمقاومة” على ضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة كشرط مسبق لأي نقاش في ملف السلاح، لا تخفي بعض أوساط الحزب استعداداً لمراجعة دوره العسكري الداخلي. وقد عبّر النائب حسين الحاج حسن عن هذا التوجه حين قال إن “المقاومة تواجه بثبات ووعي، وتملك خيارات واضحة”.
السلاح.. من ورقة قوة إلى عبء سياسي
وفق وكالة “رويترز”، بدأ “حزب الله” بالفعل مراجعة استراتيجية لدوره العسكري بعد المواجهة الأخيرة مع إسرائيل. وتشمل هذه المراجعة احتمال تقليص ترسانته، خصوصاً في جنوب الليطاني، مع الإبقاء على أسلحة خفيفة ومتوسطة لأغراض دفاعية فقط.
ويبدو أن الحزب بات يدرك أن ترسانته الضخمة، التي كانت تشكل عامل ردع، تحولت إلى عبء سياسي واقتصادي في الداخل والخارج. لكنه في الوقت ذاته، لا يرى في التخلي الكامل عن السلاح خياراً قريباً، نظراً الى ارتباطه بهوية الحزب ووظيفته الاقليمية، إضافة إلى المخاوف من تهديدات الجماعات المسلحة في سوريا التي قد تمتد إلى شرق لبنان.
تسوية معقدة
يقف لبنان أمام مفترق طرق دقيق يشبه في بعض جوانبه ما شهده مع القرار 1559، لكن بصيغة تفاوضية لا فرضية. السلاح مقابل الانسحاب، الأمن مقابل الاستقرار الاقتصادي، والتنازلات مقابل الضمانات.
لكنّ نجاح هذه المعادلة يبقى رهناً بإجابتين حاسمتين لم تُحسما بعد:
هل ستلتزم إسرائيل بانسحاب كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة؟
هل ستوفر الولايات المتحدة والدول الكبرى الضمانات الأمنية والاقتصادية لمنع أي انهيار جديد في لبنان؟
إلى حين وضوح هذه المعالم، ستبقى بيروت تعيش بين حافة الخطر وفرصة الحل.
محمد شمس الدين- لبنان الكبير



