عاشوراء في غياب السيد: حزن مضاعف تعيشه الضاحية

اتشحت الضاحية بالسواد مجدداً. واقعة عاشوراء لهذا العام مختلفة، مقاربتها من الناحية النفسية والاجتماعية والسياسية، عكست أبعاداً تتجاوز الشعائر الدينية التقليدية، لتصبح مشهداً يختزل معاناة مجتمع مثقل بأعباء متراكمة، ولكنها ثابتة على نهج معارضة الظلم وإسرائيل. صعب فهم هذه البيئة. على الردم، نُصبت خيمة لمضيف عاشورائي. ربما يُفهم شيئاً من مكنونات ما يعيشه أهل الضاحية ورمزية المنطقة، كما لكل منطقة حيثيتها بفعل النسيج السياسي الممزق في البلد، خصوصاً بعد العدوان الإسرائيلي، وأمام استمرار الحرب في الجنوب والتهديدات والضربات على الضاحية.
مشهدان في الضاحية. أحد لا يمكنه أن ينكر حجم القلق الذي لا يزال يعيشه أبناؤها بفعل التهديدات، وهو ما يُترجم بحركة نزوح خفيفة عنها أو أقله رغبة بالنزوح، حينما توفرت الإمكانيات. قلق خفي، يقابله جو من التحدي، لدى بعض أبناء الضاحية، الذين يصارعون على البقاء. يحافظون على ما تبقى من سبل للعيش. تُحسب لهم معركتهم في تجاوز النكبات، ولكن نكبة مستجدة على الضاحية. عاشوراء في غياب السيد. يروي كُثر ما لهذا الغياب من ثقل على المنطقة، يحيون ذكرى عاشوراء في ظل غياب الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله. هذا الحضور المادي والمعنوي الذي طالما كان دفعاً لعدد كبير من أبناء الضاحية، جعل حزنهم مضاعفاً على كربلاء من جهة، وعلى الضاحية والسيد من جهة ثانية.
مضائف عاشوراء
مشهد اخر. حيث تنتشر بشكل لافت واستثنائي هذا العام المضائف في مختلف شوارع الضاحية. منذ ساعات الصباح الأولى ولغاية ما بعد الظهر، وتبلغ ذروتها مساءً. تقليد ورثه أبناء الشيعة من العراق تحديداً، ونقلوه إلى مناطقهم خصوصاً خلال احياء ذكرى عاشوراء لغاية اليوم العاشر، وأحياناً لغاية ذكرى “أربعين الامام الحسين”. ينقل بعضهم أن الاستثناء بزيادة عدد المضائف لهذا العام، شعلة أوصى بها السيد، وهو ما يُترجم بالعبارات التي استخدموها وبصور السيد نصرالله وبقية القادة الشهداء الذين قضوا إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان. يستذكر أحدهم عبارة كررها السيد، خلال احياء مراسم عاشوراء، في العامين المنصرمين، عندما شكر نصرالله “أهل المضائف على ضيافتهم”، الذين “بذلوا المال ووقفوا وتعبوا فيها لإنجاحها”، مؤكداً أن “هذا جهد الناس الذين يفترض الأميركيون أنهم يموتون جوعاً وسينهارون”.
لا تزال وصية السيد حاضرة، هكذا يُعبر عنها أبناء الضاحية، حيث مئات المضائف المنتشرة، والتي تعكس حالة من التحدي والتمسك بالطقوس، رغم كل الظروف. فتحكي قصة استمرارية وإرادة شعب.
هكذا، يجدد أهالي الضاحية هذا المفهوم المتوارث، يثور بعضهم على ظلم لحق بهم مرة جديدة. الأبنية مدمرة، بعضها آيلة للسقوط، تعويضات مجمدة، وmk تحوم فوق الرؤوس، وعين على حساب العدو، في حال هدد بالإخلاء، وكشوف على أبنية يزعم فيها الإسرائيلي أنها تحتوي على سلاح. كل هذا التعب، وأبناء الضاحية على الطرقات، صامدون حقاً. وللافت في بعض المضائف أن عدداً منها، تميز عن تحضير الطعام والولائم، لتجسيد مضاف علمي. وهي عادة جديدة، استندت إلى عبارة منسوبة للإمام الحسين بن علي، يقول فيها “العلم لقاح المعرفة والتجارب زيادة في العقل”، وهو الشعار الذي حملته المضائف العلمية التي تعمل على تقديم استشارات مجانية ضمن مختلف الاختصاصات.
على حب الشهيد
يشارك أحد المشرفين على واحدة من المضائف، في تحضير الطعام لتوزيعه “على حب الشهيد”. فالشهداء كُثر، وهو ما زاد أيضاً عدد المضائف لهذا العام، إذ حملت بعضها عناوين بأسماء الشهداء الذين سقطوا نتيجة الحرب الأخيرة، وهو مشهد متكرر أيضاً في الجنوب والبقاع.
يختصر هذا الرجل ما يفكر به البعض، يقول “الموضوع أصبح تحدي الحصار. يظن البعض أن حزب الله وبيئته انكسروا، وها نحنا نقول للعالم، انظروا. هل برأيكم ثمة ما يكسر هؤلاء”. يذهب الرجل أبعد من هذا، مؤكداً أن عدد المشاركين في المجالس الحسينية والمضائف، ازداد هذا العام “بعضهم فهم عاشوراء أكثر مع استشهاد السيد، الذي وقف مدافعاً في وجه الحق واستشهد. هو قائد نحبه وسنسير على خطى ما قدّم لنا على مر سنوات، وقفنا فيها لنردد في عاشوراء تحديداً “لبيك يا حسين”، وحسين اليوم أصبح فكرة تقوم على نصر المظلوم والدفاع عن الحق”.
غياب السيد في العاشر
يكاد يختصر كلام هذا الرجل، لسان حال عدد كبير من أبناء الضاحية. يعتبرون أن الثبات اليوم والصمود هي مؤشرات سياسية، تتلخص بموقع حزب الله في لبنان. مؤشر كان يختصره السيد نصرالله في اليوم العاشر من محرّم، حيث كان أبناء الضاحية ينتظرون حضوره شخصياً بين الحشود. مشهدية تكرّست لسنوات، أصبحت اليوم غائبة عنهم، وهو ما يحاولون التعويض عنه، بالمجالس والحضور في مرقد السيد نصرالله على طريق المطار. هناك حيث يتوافد المواطنون منذ الصباح إلى الضريح، حيث يُخصص برنامجاً يومياً لإحياء ذكرى عاشوراء.
يقول أحد المواطنين “لا نتخيل يوم العاشر دون السيد، كيف يغيب من يدعونا كل عام لتظاهرة جماهيرية حاشدة نجدد فيها البيعة للإمام الحسين”. ربما لن يتوقف كثيرون عند دلالات ما سيقوله الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يوم السبت المقبل، أمام عظمة الواقعة في غياب نصرالله، كما يقول أحدهم، خصوصاً أنه لا يمكن التكهن بنوعية خطاب الشيخ قاسم يومها، وهو الذي قال ما أراده قبل أيام في واحدة من ليالي إحياء عاشوراء. كما يصر أبناء الضاحية التأكيد على أن مسيرة العاشر من محرّم هذا العام ستكون الأكبر بتاريخ الضاحية.
لا نريد حرباً
مشهد اخر. بين هؤلاء من يعترف “تعبنا”، “لا نريد حروباً بعد، شبعنا تهجيراً وذلاً وخسارة بعد الخسارة”. مدوية تلك الأصوات المتمردة والرافضة للحرب، ولكل أشكال المساندة المادية والمعنوية والخطابات الحماسية، أمام مشهدية الطرقات المرصوصة بصور عشرات لا بل مئات الشهداء. قلة هي بيوت الضاحية التي لم تفقد عزيزاً. عاشوراء حيّة في 2025. يختصر أحدهم القول “على من نبكي اليوم، ونحن لا نعلم متى نصبح من جديد تحت الركام”.
حزن مضاعف تعيشه الضاحية. تُروى يومياً حكاية مجتمع لم ينكسر رغم التصدعات. والضاحية كما عاشوراء، ليست مجرد مكان أو مناسبة، بل ذاكرة ممتدة، علها تتجاوز يوماً النكبات.
زينب زعيتر- المدن



