حالة ترقّب وانتظار: شاليهات الصيف تواجه موسم الالغاء…

كأنّ المصائب لا تأتي فرادى على القطاع السياحي في لبنان. ففي الوقت الذي أطلقت فيه وزارة السياحة موسم الصيف باحتفالية كبرى في فندق “فينيسيا” ببيروت، وسط أجواء تفاؤلية وآمال بصيف واعد، باغتت المنطقة نيران الحرب بين إسرائيل وإيران، لتقلب المعادلة رأساً على عقب وتضع علامات استفهام كبرى حول مصير الموسم المنتظر.

وما بين ضجيج الاحتفالات وصدى الانفجارات الاقليمية، ضاعت البوصلة. فقد بدأت الالغاءات تنهال على حجوزات السفر، وتراجع الإقبال على زيارة لبنان، خصوصاً من المغتربين، نتيجة اضطراب حركة الطيران والمخاوف الأمنية. ومع اقتراب شهر تموز، يعيش العاملون في القطاع السياحي حالة من القلق والترقّب، في ظل غياب أي مؤشرات واضحة على ما إذا كان الصيف سيُكتب له أن يولد من رحم النار، أم يُدفن قبل أن يبدأ.

لكن وسط كل هذا الضجيج، هناك فئة تكاد تغيب عن النقاش العام، على الرغم من أنّها من أكثر المتضرّرين: مستثمرو الشاليهات الجبلية.

فعلى مدى السنوات الماضية، تحوّلت مناطق مثل فاريا، فقرا، الشوف، اللقلوق وعيون السيمان إلى مقصد للمغتربين والسياحة الداخلية، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية وهجرة اللبنانيين إلى الطبيعة بدلاً من الفنادق الفخمة. كثيرون وضعوا مدّخراتهم – وأحياناً ديونهم – لبناء شاليهات أو تجهيزها، معوّلين على موسم صيفي يتحوّل فيه “الهواء الجبلي” إلى مصدر دخل ثابت.

لكنّ رياح الحرب لم ترحم هؤلاء. العائلات التي كانت قد حجزت سلفاً ألغت، المغتربون أجّلوا عودتهم، والمقيمون فضّلوا تأجيل الترفيه إلى حين اتضاح المشهد.

الأشقر: نحن في حالة ترقّب وانتظار
رئيس اتحاد النقابات السياحية في لبنان، بيار الأشقر، رأى أن القطاع السياحي اللبناني يمرّ اليوم في فترة دقيقة من الترقب والحذر، بعد التطورات الأمنية الاقليمية الأخيرة، لا سيما الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وإيران، والتي أدّت إلى موجة إلغاءات واسعة في الحجوزات الفندقية والمصيفية في لبنان.

وأكد في حديث لموقع “لبنان الكبير”، أن “كل الحجوزات الفندقية التي كانت مُقرّرة حتى 15 يوماً إلى الأمام أُلغيت بالكامل، ما يعني ببساطة أن السياح اختاروا وجهات أخرى بديلة عن لبنان”، مشيراً إلى أن “الخيار لم يعد محصوراً، فالسوق مفتوحة: من تركيا إلى باريس ولندن وغيرها”.

وعن وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، اعتبر أن “الوضع لا يزال هشّاً، ولا يمكن البناء على وقف إطلاق نار مؤقّت، في ظل استمرار التهديدات واستخدام الطائرات المسيّرة، ما يُبقي السائح في حالة قلق ويؤجل قراره بالسفر إلى لبنان”، لافتاً الى أن “هناك تصريحات سياسية وعسكرية تُنذر بإمكان تجدّد التوترات، وهذا كافٍ ليمنع السائح من المغامرة، فهو يدفع من ماله ويريد استقراراً وأماناً”.

وفي ما يخص السياحة المرتبطة بالمغتربين اللبنانيين، أوضح الأشقر أن “المغترب الذي كان يأتي في السابق ليقضي شهراً ونصف الشهر أو شهرين في لبنان، بات اليوم يختصر إقامته إلى أسبوع أو عشرة أيام، في ظل الظروف الحالية”، مشيراً الى أن “هذا الأمر يُقلّص من المردود المالي للسوق اللبنانية ويُضعف الحركة التجارية في المناطق الجبلية والسياحية”.

وأضاف: “كنا نعوّل كثيراً على صيف واعد، خصوصاً بعد الأزمات السابقة كجائحة كورونا، وكنا نُهيّئ أنفسنا لعودة لبنان إلى الخريطة السياحية. لكن ما حصل على صعيد الضاحية الجنوبية وما تبعه من تصعيد مع إسرائيل، قضى على كل تلك الآمال، وأوقف الزخم الاستثماري والسياحي الذي بدأ يتشكّل”.

وبالنسبة إلى تأثير الحرب على مشاريع الشاليهات والمصايف، لفت الأشقر إلى أن “الضرر على من يملك شاليهات للإيجار أكبر من ضرر أصحاب الفنادق. فالفندق يعمل ضمن مؤسسة متكاملة، أما من يملك شاليهاً صغيراً، فغالباً ما يتكبّد المصاريف من دون أي مردود، لأن الإيجارات توقفت بالكامل”.

كما انتقد الأشقر واقع المنافسة غير العادلة بين المؤسسات السياحية المرخصة وتلك غير الشرعية، قائلاً: “نحن كفنادق مرخّصة، نعمل تحت سقف القانون، ونتعاون مع الأمن العام، ونُسجّل أسماء الزوار ونُقدّم صورة عن جوازات سفرهم، وندفع الضرائب والرسوم المطلوبة. أما غير الشرعيين، فلا يدفعون ضرائب، ولا يسجّلون بيانات، ولا يتبعون أي نظام رقابي”.

حسام الجوهري، أحد أصحاب الشاليهات في عرمون، قال لموقع “لبنان الكبير”: “كنا محضّرين كل شي، من المفروشات لتجهيزات الشواء، وحتى الأنشطة الترفيهية. بس مع أول خبر عن الحرب، الحجوزات طارت… اختفت كأنها ما كانت”، مضيفاً: “في الموسم الشتوي لا عمل لدينا، ننتظر الموسم الصيفي ليكون نقطة فرج لنا وبكلفة كبيرة مقابل موسم يعوض ونربح، لكن جزءاً كبيراً من هذا الموسم أصبح ضائعاً”.

وفي بيصور، وصف أبو جاد الله صاحب شاليه آخر لموقع “لبنان الكبير”، الموسم هذه السنة بأنه “شبه معدوم”، موضحاً “كنا نعتمد على المغتربين، خصوصاً من الخليج وإفريقيا، الناس اللي تحب الهدوء والرفاهية. الليلة كانت بين 150 و200 دولار، والناس كانت تحجز لأسبوع وعشرة أيام. هلّق؟ ولا شي… المغتربين ما عادوا يجوا، وحتى اللبناني عم يفكر ألف مرة قبل ما يصرف. ما حدا مستعد يدفع هيك مبالغ بلا ضمانات بالأمن أو الكهربا أو حتى الطريق!”.

أما إيلي خوري، مالك أحد الشاليهات الصيفية في منطقة البترون، فاعتبر في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن “الموسم يسير بصورة مقبولة نسبياً، لكنّه بالتأكيد لا يرقى إلى مستوى موسم جيّد. فالظروف الأمنية المتقلّبة ألقت بثقلها على الحركة السياحية، وأثّرت سلباً على قرارات الزبائن، لا سيّما المغتربون”.

وأشار الى أن “هناك فئة من اللبنانيين من ذوي الدخل الجيد، ما زالت تحرص على قضاء بعض الأيام في الشاليهات بحثاً عن الاسترخاء والراحة، وغالباً ما تكون هذه الفئة من العائلات. لكن من ناحية عدد الزوار القادمين من الخارج، فالوضع خجول إلى حدٍّ كبير، والحجوزات لا تتعدّى بضع ليالٍ متقطعة، بدلاً من الإقامات الطويلة التي كنا نشهدها سابقاً”.

ورسم طارق عبد الساتر، مالك شاليه في بلدة الجاهلية في قضاء الشوف، صورة أكثر قتامة للموسم الحالي. وقال لموقع “لبنان الكبير”: “منذ بداية التصعيد الأمني في المنطقة، لم تُسجّل لدينا أي حجوزات تُذكر. الحجوزات التي كانت مؤكدة في بداية الصيف، أُلغيت بمجرد ورود أخبار التوتّر، والزبائن اختاروا التريّث”.

وأكد “أننا نتحمّل أعباء كبيرة في تشغيل هذه المنشآت، من صيانة دورية، وكلفة كهرباء، وتنظيفات، وتوفير الخدمات الأساسية، ومع غياب الحجوزات، أصبحت هذه الأعباء تهدد استمرارية المشروع. حتى الأسعار التي كانت تُعدّ مقبولة في السابق، باتت اليوم مرتفعة بنظر الزبائن في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الراهنة”، لافتاً الى “أننا لا نزال نأمل في تحسّن الأوضاع خلال الأسابيع المقبلة، لكن إن بقي الحال على ما هو عليه، فسنكون مضطرين إلى إعادة النظر باستمرار هذا الاستثمار”.

وبحسب مصادر في القطاع العقاري السياحي، تراجع حجم الحجوزات في بعض المناطق إلى نحو 70% خلال أسبوعين فقط، ما دفع بعدد من أصحاب الشاليهات إلى التفكير في البيع أو التأجير بأسعار رمزية، لتقليل الخسائر ما أمكن.

عمر عبد الباقي- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة