النظام على المحك: هل يتمّ تحرير إيران من نظام الملالِي؟

قد لا يسقط النظام الايراني غداً، وقد يستغرق وقتاً لكي ينهار بسبب الضربات الاسرائيلية الموجعة التي تعرَّض لها، لكنَّ إضعاف إسرائيل لهذا النظام قد يفتح عيون معارضيه على إعداد العدَّة من أجل الانقلاب عليه بدعم دولِيٍّ كبير.

لا شكَّ في أنَّ هدف إسرائيل الحقيقيّ أبعد بكثير من ضرب البرنامج النووي الايراني، وهو تغيير النظام، لكنَّ أهدافها البعيدة المدى لم تتقاطع حتى الآن مع أهداف الادارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب الذي يتعامل بحذر مع هذا الموضوع، خصوصاً أنَّ تجارب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان لم تكن مشجعة كثيراً. وربما لا يزال الخطّ الأحمر الذي وضعته واشنطن لتل أبيب يتمثَّل في القيام بكل شيء إلا إسقاط النظام، وهو ما يبرّر امتناع إسرائيل حتى الآن عن اغتيال المرشد الايراني علي خامنئي، علماً أنَّها استهدفت مستشاريه وكبار المسؤولين العسكريين الايرانيين. مع ذلك، لا شيء يؤكد أنَّ رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو سيلتزم بهذا الخطّ الأحمر.

يتساءل كثير من المراقبين عن سرّ بقاء الولايات المتحدة الأميركية في وضعية دعم خلفِيّ لاسرائيل من دون الانخراط في القتال، وهو ما يؤكد أنَّ ترامب لا يريد إطاحة النظام الايراني، بل إضعافه بشدَّة، وهذا أمرٌ قد تتولّى إسرائيل تنفيذه بمفردها؛ فهي لا تحتاج بالضرورة إلى مساعدة أميركية في الجانب الهجومي.

بالنسبة إلى نتنياهو، لا يقتصر تهديد إسرائيل على البرنامج النووي الايراني، بل يتمثل الخطر الحقيقي في النظام الايراني نفسه، وخصوصاً أنَّ القادة الايرانيين، وكثيراً منهم من المتحمّسين للفكر الاسلامِيّ الشيعي المتطرف، لطالما هددوا بإبادة إسرائيل، وهو ما يعزز نظرية نتنياهو ويمنحها المصداقية.

ويلفت باحث أميركيّ متخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية إلى أنَّ الضربات الاسرائيلية تجاوزت مجرد البنية التحتية واستهدفت القيادة والسيطرة الايرانية، ما يعني أنَّه لا يمكن ببساطة حصر هذه العمليات بإضعاف البرنامج النووي الايراني، وهو ما يرضِي كثيرين في الشتات الايراني، ممَّن يئسوا من إمكان إصلاح النظام الايراني منذ فترة طويلة وينتظرون هذه اللحظة، وفي مقدّمهم رضا بهلوي، وليّ العهد الايراني السابق الذي أطاح الثوار الاسلاميون أبيه الشاه في أواخر سبعينيات القرن الماضي. فقد دعا رضا بهلوي الايرانيين إلى اغتنام الفرصة، وحرَّض قوات الأمن الايرانية على الانفصال عن النظام الديني، وهو ما تقاطع مع دعوات نتنياهو للإيرانيين قائلاً لهم “إنَّ النظام الاسلامِيّ لم يكن يوماً أضعف ممَّا هو عليه الآن”، وإنَّ إسرائيل تمهد لهم الطريق لتحقيق حرِّيتهم.

لكنَّ الباحث الأميركي يشير إلى أنَّ ما تحقَّق عسكرياً حتى اليوم غير كافٍ لتحقيق الهدف الاسرائيلي الأول وهو تدمير البنية التحتية النووية الايرانية التي يقع معظمها تحت الأرض، وهذا يتطلب إمكانات عسكرية أميركية لتدميرها. إلا أنَّ هناك آراء لبعض الخبراء العسكريين تفيد بأنَّ اسرائيل إذا واصلت تنفيذ المزيد من الاغتيالات، بما في ذلك اغتيال القادة السياسيين الايرانيين، فإنَّ انهيار النظام ليس أمراً مستحيلاً.

لا يُمكن التكهن بما قد يحدث، لأنَّ الضربات الاسرائيلية قد تكون سلاحاً ذا حدَّين: احتمال أن تؤدِّي إلى التفاف شعبي حول النظام، وفي مقابل ذلك احتمال أن ينتفض الايرانيون بسبب اليأس، حتى يرحبّ كثيرون بأية مساعدة خارجية للتخلّص منه. وبعض الهتافات الذي كان يتردَّد في الأحياء الايرانية خلال هذه الحرب ويدعو بالموت للمرشد الايراني، خير دليل على ذلك؛ بل هو أشبه بألسنة نار تحت الرماد.

وتبدو مسألة القضاء على النظام الايراني غير ناضجة في فكر ترامب، وفق الباحث الأميركي. ولعلَّ سقفه يتمثل في استخدام التهديد بشنّ المزيد من الضربات الاسرائيلية لحثّ الايرانيين على إبرام اتفاق يحدّ من قدراتهم النووية. ويعتبر ترامب أنَّه حتى لو سقط النظام، فليست هناك ضمانات أنَّ بديلاً أفضل سيحل محله. وقد تكون الدولة الايرانية الفاشلة الخالية من القيادة أرضاً خصبة لمختلف أنواع الفتن والنزاعات. في مقابل ذلك، لا يهتمّ الاسرائيليون بمن سيخلف هذا النظام طالما كان الخليفة أضعف بسبب ضعف قدراته على تهديد إسرائيل.

لكنَّ الرياح قد تجري بعکس ما تشتهيه السفن الاسرائيلية. ويُجمع الخبراء العسكريون والاستراتِيجيون على أنَّ النظام الايراني لم يفقد القدرة على المبادَرَة، وقد يجد نفسه أمام أكثر من سيناريو: الأول يتمثل في قطع الطريق أمام استمرار الحرب الاسرائيلية والعودة إلى طاولة المفاوضات والرضوخ للشروط الأميركية لإنقاذ ما تبقّى من النظام. والثاني يتمثل في مواصلة قصف إسرائيل بالصواريخ النوعية القادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالمدن الاسرائيلية، ما قد يدفع واشنطن الى التدخل وتدمير البرنامج النووي الايراني كاملاً، بما في ذلك منشأة “فوردو”، الواقعة على بُعد نحو 100 كيلومتر جنوب طهران، وهو موقع محصَّن في باطن أحد الجبال ويحتاج إلى قنابل قوية جداً للتدمير — وهذه القنابل لا تملكها سوى الولايات المتحدة الأميركية.

ينبع السيناريو الثالث من احتمال اندلاع مظاهرات إيرانية ضخمة معارضة للنظام في الداخل والخارج — علماً أنَّ شعبيَّته متدنيَّة جداً — في وقتٍ أشار فيه نتنياهو في الأيام الأخيرة إلى أنَّ لديه معلومات تفيد بأنَّ كبار الشخصيات المتبقية في النظام تستعدّ لحزم حقائبها والفرار خارج البلاد. لكنه لم يقدِّم أيَّ دليل على ذلك.

ليس واضحاً ما إذا كان العمل العسكري الاسرائيلي بحجمه الحالي قادراً على تحريك سلسلة من الدومينو تؤدِّي إلى إسقاط النظام الايراني واستبداله بآخر أكثر نزاهة وعلمانية وتوافقاً. لكنَّ أحد كبار مستشاري الرئيس الأميركي يؤكد أنَّ محاولة إسقاط هذا النظام تعني أنَّ الصراع سيطول ويزداد خطورة. صحيح أنَّ إسرائيل اخترقت البنية التحتية للأمن القومي الايراني بصورة كاملة، لكنَّ ذلك لم يؤدِّ إلى انهيار هذا النظام. ويرى الباحث الأميركي أنَّ هذا الأمر يتطلب دعماً أميركِيّاً ودوليّاً للمعارضة في الداخل الايراني، وربما لما يشبه “الثورة الخضراء”، التي كان قد شهد لها عام 2009. ويبدو أنَّ الديناميكية نفسها لا تزال قائمة، بحيث هناك استياء واسع النطاق من النظام في إيران، لكن المشكلة هي غياب قيادة واضحة لمعارضة فاعلة. أي تحرّك داخلي قد يقابله ردّ فعلٍ على شاكلةِ حربٍ أهليَّة في إيران.

وليس سراً أنَّ تغيير النظام في إيران ليس فكرة يتبنَّاها نتنياهو فقط، بل هناك تصوّر واضح في بعض مراكز الأبحاث الدوليَّة ذات الصلة بأجهزة مخابرات مختلفة تكشف أنَّ مرحلة ما بعد “نظام آيات الله”، تستند إلى معارضة مجموعات مختلفة في الشعب الايراني وتقاطعها مع مجموعات عرقية مثل الأكراد والأهواز والأذريين. ولا بدَّ من الكشف عن خطة تتسلم بموجبها هذه المجموعات الحكم في إيران، معتبرة أنَّ النظام الايراني الثِيوقراطي الحالي يواجه مقاومة مدنيَّة داخليَّة قوية، بسبب سياسته التسلّطية.

وتسعى الجماعات المسلحة المتمردة الوطنية، مثل تلك الموجودة في كردستان وبلوشستان، إلى إطاحة هذا النظام واستعادة استقلالها. لكن على الرغم من الضربات الاسرائيلية التي أنهكت هذا النظام، يخشى هؤلاء أنَّ ما جرى لم يكن كافياً لإنهائه. هناك تخوّفٌ بالفعل من أنَّه إذا نجحَ نظامٌ جديدٌ في تسلُّم الحكم بسبب ضغط الجيش على الحركات المدنية المطالِبَة بالاستقلال في بلوشستان وكردستان والأهواز وأذربيجان التركية، فقد يتطور النزاع إلى تطهير عرقي في تلك المناطق.

لذلك، تبقى هذه المسألة معقَّدَة نسبيّاً، ويطالب البلوش والأكراد والأتراك والعرب وغيرهم من الأقوام بحق تقرير المصير الوطني في إيران الجديدة بعد سقوط نظام الملالِي، ويتحمّلون مسؤولية أخطائِهم ونجاحاتهم كأممٍ حرَّة. يقترح هؤلاء تشكيل مجلس انتقاليّ كهيئة تنفيذيَّة يتولّى إدارة شؤون إيران في الفترة ما بعد الملالِي، وتنفيذ الخطة الانتقالية. يتمّ تشكيل المجلس باتّفاق غالبية جماعات المعارضة التي تمثل هذه الأقوام بالاضافة إلى الفرس. أيَّ قرارٍ أو خطةٍ يصدرها المجلس تتعارض مع مبادئ حقّ تقرير المصير الوطني، والتحرّر الوطني، والحقّ في الدولة، أو العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يُعتبر باطلاً وغير قانونِيّ.

ويتمثل أساس وجود المجلس الانتقالي في تسهيل تنفيذ الخطة الانتقالية، وتمكين هذه الدول من تحديد مستقبلها الوطني بالوسائل الديموقراطية.

ينبثق المجلس الانتقالي من تحالف هذه القوى. وفي أفضل الأحوال، يجب أن يتمَّ إنشاؤه قبل سقوط النظام. سيعمل المجلس على غرار المجلس الاتحادي السويسري، حيث يتولى أعضاؤه جماعيّاً رئاسةَ الدولة والحكومة الانتقالية في إيران. يتمّ تقاسم السلطات التنفيذية بالتساوي ضمن هذا المجلس، حيث تتخذ القرارات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بتوافق الآراء.

من الواضح أنَّ هذا المشروع يحمل في طِيَّاته بذور دولة فيدرالية أو كونفيدرالية، ريثما تنتهي المرحلة الانتقالية التي يتمّ فيها تحرير إيران من نظام الملالِي.

حاليّاً، تُعتبر إيران دولة مركزية للغاية، حيث تتخذ جميع القرارات الرئيسية في طهران. يهدف المجلس الانتقالي إلى تحقيق اللامركزية في الحكم عبر نقل غالبية الوزارات المركزية إلى المحافظات. سيقود كلّ إقليم وزير إقليميّ يتولي بالاضافة إلى مهامه منصب المحافظ، الذي يكون مسؤولاً تنفيذياً على إقليمه، ويشكّل رؤساء التَّنظيمات الادارية في المحافظات مجلس وزراء محليّاً. وهكذا يتمّ تنظيم إيران داخليّاً ضمن أقاليم ذاتية الحكم تستند إلى حدود وطنية تاريخية، وتوفير التمكين الذاتي لها ضمن سياق ديموقراطي.

يبقى الطريق إلى إطاحة النظام الإيراني طويلاً، إلا أنَّ الحجر الأساس وضعته إسرائيل، ويحتاج إلى تضافر الجهود دولِيّاً من جهة، وداخليّاً في إيران من جهة أخرى. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال هذا النظام قادراً على المناورة، والصراع لم يتمّ بعد.

جورج حايك – لبنان الكبير

مقالات ذات صلة