أكثر من مجرد ضربة: حرب مفتوحة بلا وكلاء… من يكتب السطر التالي؟

تجاوزت المواجهة بين إسرائيل وإيران الخطوط الرمزية وعتبات الحرب بالوكالة، لتدخل مرحلة الصدام المباشر. أكثر من 200 طائرة حربية إسرائيلية نفّذت واحدة من أوسع الضربات الجوية على الأراضي الايرانية منذ تأسيس الجمهورية الاسلامية، مستهدفة منشآت نووية ومواقع للصواريخ، وقتلت عدداً من كبار القادة والعلماء. وردت إيران مستهدفة العمق الاسرائيلي بموجات من الصواريخ.

ولكن هل تستطيع إسرائيل منفردة كبح جماح برنامج إيران النووي؟ وهل تنزلق الولايات المتحدة إلى الحرب من جديد؟

أكثر من مجرد ضربة
بحسب الخبير الأميركي دانيال شابيرو، السفير السابق لدى إسرائيل والمسؤول الرفيع السابق في وزارة الدفاع الأميركية، فإن ما نفذته إسرائيل يتجاوز بكثير ضربات نيسان وتشرين الأول 2024. فقد تمكنت من تدمير مواقع رئيسية مثل منشأة نطنز النووية، ومنشآت أبحاث الأسلحة، ومواقع إطلاق صواريخ باليستية، إضافة إلى اغتيال قيادات بارزة في البرنامج النووي الايراني. هذه الاختراقات العميقة، بحسب شابيرو، ستُربك القيادة الإيرانية وتدفعها إلى الانتقام… لكن بسرعة محدودة بسبب الفوضى في مركز القيادة.

نتنياهو.. ضربة حياة سياسية؟
على المستوى الشخصي والسياسي، يضع نتنياهو هذه العملية في صلب إرثه. منذ أكثر من 20 عاماً، وضع الملف النووي الايراني في صلب عقيدته الأمنية، وها هو اليوم يترجم تلك الوعود بضربة مباشرة غير مسبوقة. يقول أحد مستشاريه السابقين: “ربما تكون هذه العملية الأكثر أهمية في حياته السياسية”.

وما شجّع نتنياهو على التصعيد، وفق التحليلات، هو الانهيار النسبي لخصوم إيران في الاقليم: “حزب الله” تعرض لضربة ساحقة في أيلول 2024، ومنظومة الدفاع الجوي الروسية في إيران (S-300) دمّرت في تشرين الأول، ونظام الأسد الحليف المركزي في دمشق انهار، ما جعل طهران مكشوفة أكثر من أي وقت مضى.

الولايات المتحدة: صمتٌ محفوف بالتواطؤ؟
على الرغم من نفي الرئيس الأميركي دونالد ترامب أي تورط مباشر، وتشديده على أن إسرائيل تصرفت “منفردة”، فإن الواقع يشير إلى تنسيق مسبق غير معلن. لم يصدر “ضوء أخضر”، لكن غياب “الضوء الأحمر” الأميركي فُهم في تل أبيب كإذن ضمني. تصريحات السيناتور ماركو روبيو بعد الضربة – والتي اكتفت بالتشديد على حماية الأميركيين من دون التزامات تجاه إسرائيل – لم تُبدد الشكوك حول التواطؤ، خصوصاً في ظل نشر واشنطن منظومات دفاعية مثل THAAD في إسرائيل.

ردّ إيران.. وعد بالنار ولكن؟
الرد الايراني اعتمد المئات من الصواريخ الباليستية والمتوسطة المدى، والطائرات المسيّرة، لكن شبكة الدفاع الجوي الاسرائيلي المتقدمة – خصوصاً منظومتا “مقلاع داوود” و”أرو 3″ تمكنت من منع إصابات كبيرة.

في هذا السياق، يُرجَّح أن يتحوّل الرد الايراني إلى حملة هجومية غير متماثلة: هجمات إلكترونية، استهداف سفارات، وعمليات ضد مواطنين إسرائيليين في الخارج. كما أن الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا مرشّحة للتحرّك، وإن كانت طهران تدرك أن أيّ خطأ في الحسابات قد يفتح أبواب الجحيم الأميركي.

إيران.. الطريق إلى القنبلة؟
مع أن وكالة الطاقة الذرية لم تؤكد وجود برنامج تسلّح نووي فعلي، إلا أن كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 60% – أكثر من 400 كيلوغرام – تثير قلقاً شديداً. وتُظهر التقييمات الأميركية أن إيران أقرب من أي وقت مضى إلى امتلاك قدرة “الاختراق النووي”. وفي ظل الضربات الاسرائيلية، قد تتجه طهران إلى التسريع بدل التراجع، ما يضع واشنطن أمام معضلة: إما الضربة العسكرية أو القبول بإيران نووية.

الحرب بلا وكلاء.. لأول مرة
الميزة الاستراتيجية لطهران تاريخياً كانت في حرب الوكالة: “حماس”، “حزب الله”، “الحوثيون”، وميليشيات العراق. لكن هذه الأدوات إما أُنهكت أو أُفرغت من قدرتها الردعية. للمرة الأولى، تجد طهران نفسها مضطرة الى المواجهة المباشرة. لكن المفارقة المؤلمة أنها – على الرغم من ترسانتها الهائلة – قد لا تملك القدرة على الانتصار في حرب صاروخية مع إسرائيل، بينما تملك الأخيرة قدرة فتاكة على التدمير الدقيق.

هل تكون هذه العملية مجرد بداية لحرب مفتوحة، أم لحظة تعيد ضبط الحسابات؟ هل ستتمكن إيران من تحقيق ضربات استراتيجية تعطيها أوراق قوة على طاولة المفاوضات؟ هل ستتدخل واشنطن في لحظة حرجة لاسرائيل؟

الاجابة لم تتضح بعد. لكن ما هو مؤكد أن “ما بعد 12 حزيران” ليس كما قبله… والشرق الأوسط يقف الآن على حافة الهاوية، حيث سقطت آخر الخطوط الحمر.

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة