أي خطأ في التوقيت أو في التقدير يشعل لبنان: هل تدفع بيروت ثمن نشوة نتنياهو؟
الخوف من تكرار السيناريو.. في الجنوب
بين الضربات التي هزّت قلب إيران والردّ الصاروخي الذي اخترق أجواء إسرائيل، تتصاعد وتيرة الحرب المفتوحة بين تل أبيب وطهران، ومعها يرتفع منسوب القلق في لبنان. فالمشهد لا يقتصر على صراع بعيد جغرافياً، بل يلامس مباشرة توازنات الداخل اللبناني، الذي يعيش على حافة الاشتعال منذ أن تبنّى “حزب الله” ما أسماه “حرب إسناد غزة”، والتي سرعان ما تحوّلت إلى نزيف أمني واقتصادي في الجنوب اللبناني.
ما شهدته إيران من ضربات مفاجئة، استهدفت قادة كباراً ودمرت منشآت حيوية في قلب الجمهورية الاسلامية، لم يمرّ مرور الكرام في بيروت. بل إن المقارنة حضرت فوراً: مشاهد التفجيرات الدقيقة، والاغتيالات الصامتة، والبنية التحتية العسكرية المُدمّرة، تشبه إلى حد بعيد ما جرى في لبنان خلال حرب “الاسناد”.
الخوف من تكرار السيناريو.. في الجنوب
المفارقة أن “حزب الله”، وإن لم يعلن انخراطه المباشر في هذه الجولة الايرانية – الاسرائيلية، إلا أنه يبقى في مرمى الاستهداف. فالاسرائيلي، كما تؤكد مصادر أمنية، لا يثق بنيّة الحزب بالحياد، خصوصاً بعد تجربة “وحدة الساحات” التي أرساها منذ 7 تشرين الأول، والتي دمجت الجبهة اللبنانية بالتصعيد في غزة وسوريا والعراق واليمن.
وفي هذا السياق، حذّرت مصادر “الثنائي الشيعي” عبر موقع “لبنان الكبير” من أن “لا رادع دولياً حقيقياً يمنع إسرائيل من اجتياح لبنان اليوم، ونتنياهو المنتشي بانتصاراته الأخيرة قد يُقدم على هذه الفعلة المجنونة”. وأضافت: “كما في الماضي، إذا حصل اجتياح، ستنطلق عمليات المقاومة مجدداً، فميزان القوى قد يكون مائلاً لإسرائيل تقنياً، لكن المقاومة ليست ضعيفة كما يتم تصويرها”.
“القوات”: لا خطر إلا إذا اختار الحزب إيران
في المقابل، عبّرت مصادر “القوات اللبنانية” عن رؤية مختلفة، معتبرة أن “الخطر على لبنان مصدره الأساسي ليس إسرائيل، بل موقف حزب الله. فإذا التزم الحزب بمسار الدولة وليس بمسار وحدة الساحات، لا خوف على لبنان”. وأشارت الى أن “التجربة واضحة: الحزب هو من بدأ حرب الإسناد، وهو من جرّ لبنان إلى المعركة. أما اليوم، فإن عجزه العسكري – بعد ما تكبّده في هذه الحرب – هو ما يمنعه من الرد، لا تغيير في القناعة السياسية”.
ولفتت المصادر إلى أن “الحزب وقّع عملياً على تفكيك بنيته العسكرية في 27 تشرين الثاني الماضي، والدليل الضربات اليومية التي لم يتمكّن من الرد عليها. لذا فإن عدم تورطه حالياً في الحرب لا يعني تحوّلاً، بل واقع ميداني مفروض عليه”، محذرة من أن “حزب الله إذا قرّر توريط لبنان، فسيدفع لبنان الثمن. وإذا نأى بنفسه، فلن يتعرض لأي عدوان”.
الخطر الاستراتيجي: نتنياهو قد يصل إلى الأولي
أخطر ما نُقل عن ديبلوماسي لبناني رفيع المستوى توصيفه عبر موقع “لبنان الكبير”، لمرحلة ما بعد الضربة الاسرائيلية على إيران بأنها “تاريخية”، وأن نتائجها “فاجأت حتى أكثر المتفائلين في الغرب”. وقال: “إذا سقطت إيران كما سقط النظام السوري، فإن شهية نتنياهو ستُفتح على مزيد من التوسع، وربما يُقدم على عملية عسكرية في جنوب لبنان تمتد إلى نهر الأولي”.
هذا التصوّر، وإن بدا متطرفاً، يجد صداه في سياق إقليمي مضطرب: انهيار تدريجي لمحور المقاومة، استنزاف عسكري لـ “حزب الله”، تراخٍ دولي في ضبط إسرائيل، وعودة الثقة الميدانية لجيشها بعد سنوات من الردع المحدود.
ما بين الحياد والمغامرة.. لبنان في لحظة قرار
السيناريوات المتداولة تحمل جميعها كلفة مرتفعة. فإذا قرر “حزب الله” مواصلة سياسة “الارتباط العقائدي” بإيران ومحورها، فلبنان سيتحول مجدداً إلى صندوق بريد للرسائل الاقليمية، مع ما يعنيه ذلك من دمار داخلي وعزلة دولية. أما إذا التزم بخيارات الدولة وحدودها، فقد يكون ذلك فرصة لإخراج لبنان من دائرة النار، ولو مؤقتًاً.
لكنّ الحقيقة القاسية التي يهمس بها أكثر من مصدر سياسي في بيروت، هي أن الحزب قد لا يملك رفاهية القرار هذه المرة. فالمعادلة لم تعد “أن يُقرر”، بل “أن يُحاصر أو يُكسر”، وربما لهذا السبب تحديداً، يراهن كثيرون على أن الهدوء الحالي لا يعكس استقراراً، بل هدنة مؤقتة على حافة الهاوية.
لبنان أمام مفترق طرق جديد – قديم. بين مشهد طهران المدمَّرة، وسماء تل أبيب المشتعلة، تبدو بيروت كمن يسير على جسر زجاجي فوق النار. الخطأ في التوقيت، أو في التقدير، قد يُشعل الجنوب مجدداً. والقرار، كما العادة، ليس في يد الدولة فقط… بل في يد الاقليم.
محمد شمس الدين- لبنان الكبير



