خلفيات التصعيد ضد “اليونيفيل”: “فشة خلق”… أم صراع أجنحة؟

لم تعد الاعتداءات على دوريات “اليونيفيل” في جنوب لبنان تمرّ بهدوء كما في السابق، حين كانت تنتهي بإغلاق طرق أو مناشدات أهالي. ما شهدته قرى الجنوب بالأمس هو تصعيد غير مسبوق وصل إلى حد الاشتباك بالأيدي وتحطيم آليات تابعة للقوات الدولية، في سابقة لم تُسجّل منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني الماضي. هذا التصعيد الخطير يطرح تساؤلات حول خلفياته وتوقيته، خصوصاً أنه يأتي عشية التجديد للقوات الدولية وسط ضغوط إسرائيلية كبيرة لإعادة النظر في مهامها أو حتى إنهائها.
فشة خلق
بحسب مصادر جنوبية، فإن هذه الهجمات لا تأتي بإيعاز مباشر من قيادتي “الثنائي الشيعي” – لا “حزب الله” ولا حركة “أمل” – بل إن القيادتين، تعارضان مثل هذه الأفعال علناً. حتى “حزب الله”، المعروف بعدائه التاريخي للوجود الأجنبي، وخصوصاً لقوات أجنبية تنتمي إلى دول تُعتبر حليفة لإسرائيل، لم يبارك هذه الهجمات، على الرغم من توجّسه الدائم من حرية تحرك “اليونيفيل” ومن دورها الاستخباراتي كما يراه.
مع ذلك، تُجمع المصادر على أن هناك مناخاً عاماً من الإحباط واليأس يسيطر على الشارع الجنوبي. أسباب هذا الاحتقان متعددة، أولها شعور عميق بالعجز أمام الاعتداءات الاسرائيلية اليومية التي لا تجد ردعاً فعلياً لا من الدولة اللبنانية ولا من حلفائها الدوليين. وثانيها غياب أي بوادر جديّة لورشة إعادة الإعمار التي طال الحديث عنها، من دون أن يتحول ذلك إلى خطوات ملموسة تُطمئن سكان الجنوب الذين تلقوا أكبر نسبة من الخراب والدمار.
“اليونيفيل”، في هذا السياق، باتت “فشة خلق” شبه مثالية في نظر جزء من السكان، ليس لأنها مسؤولة مباشرة عن الأزمة، بل لأنها الطرف الدولي الوحيد الموجود فعلياً على الأرض، ولأنها، في نظر البعض، عاجزة أو غير راغبة في ردع إسرائيل. مع الاشارة إلى أن عقيدة “حزب الله” التاريخية حول القوات الأجنبية – التي يعتبرها خطراً استخباراتياً محتملاً – تسهم في تغذية هذا الشعور السلبي تجاه القوة الدولية.
صراع أجنحة؟
لكن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد “غضب شعبي”. فثمة من يشير إلى وجود صراع أجنحة داخل “حزب الله” نفسه. الجناح الأول هو القيادة المركزية التي تتبنى حالياً سياسة “احتواء الضرر”، وتحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة شاملة مع القوات الدولية أو مع الدولة اللبنانية، في انتظار تبدّل المعادلات الاقليمية. هذا الجناح يبدو أنه منضوٍ – ولو شكلياً – تحت لواء الدولة اللبنانية، ويحرص على إبقاء التوتر مضبوطًاً ضمن حدود مدروسة.
في المقابل، هناك جناح آخر – أقل ظهوراً وأكثر تشدداً – لا يخفي رفضه لأي تسوية، ولا يزال يرى أن الأولوية هي الانتقام لدماء القيادات التي خسرها في الحرب، وربما يحرّض من خلف الستار ضد “اليونيفيل”، إما لتأزيم المشهد الميداني أو لإيصال رسائل سياسية الى الداخل والخارج.
“أمل”: “اليونيفيل” جزء من المجتمع الجنوبي
في المقابل، تحتفظ حركة “أمل” بموقف أكثر وضوحاً وثباتاً: لا يجوز الاعتداء على قوات “اليونيفيل” تحت أي ذريعة. فالحركة تعتبر أن هذه القوات، على الرغم من كل التحفظات، أصبحت جزءاً من نسيج المجتمع الجنوبي، وتقوم بدور إنساني يتعدى المهام الأمنية، سواء عبر تقديم مساعدات أو دعم للمجتمعات المحلية. ومن هذا المنطلق، ترى “أمل” أن أي ملاحظات على أداء القوة الدولية يمكن معالجتها بالتفاهم، لا بالعنف.
الحاجة إلى مصارحة
تبدو الحاجة اليوم أكثر من ملحّة إلى مصارحة واضحة بين قيادة “الثنائي الشيعي” وجمهورها، خصوصاً جمهور “حزب الله” الذي تربّى على الشك والعداء تجاه القوات الدولية، واعتبرها دائماً امتداداً للنفوذ الاسرائيلي في الجنوب. هذه اللحظة السياسية الحرجة، التي تتزامن مع سعي إسرائيلي الى تعديل تفويض “اليونيفيل” أو إنهائه، تجعل من أي اعتداء عليها أداة تخدم، من حيث لا يدري البعض، مصالح تل أبيب نفسها.
وإذا كانت القاعدة الثابتة هي أن “ما تريده إسرائيل يجب أن نكون ضده”، فإن التعرّض لـ “اليونيفيل” في هذا التوقيت – عشية تجديد ولايتها – يطرح علامة استفهام خطيرة: هل بات جمهور المقاومة أداة ضغط غير مباشرة على المؤسسات الدولية، بدل أن يكون حامياً لها في مواجهة الاحتلال؟
في المحصلة، إن تكرار الاعتداءات على “اليونيفيل” لا يخدم الجنوب ولا يخدم “الثنائي”، بل يفتح الباب أمام مزيد من العزلة الدولية للبنان، ويمنح إسرائيل الذريعة لتصعيد حملاتها في مجلس الأمن.
وإنّ اختزال المشهد الجنوبي في صورة متظاهر يصفع جندياً أممياً، أو في شبان يغلقون الطرقات بوجه دوريات أجنبية، هو اختزال خطير يعكس تحوّل لبنان إلى دولة تعيش في ظل قوتين: دولة رسمية تكتفي بالادانات، ودولة الفوضى التي تُمسك بالأرض.
الجنوب اليوم ليس بحاجة إلى غضب بلا بوصلة، بل إلى قيادة تُعيد ضبط الاتجاه، وإلى مشروع سياسي يُعيد تعريف العلاقة مع الدولة والمجتمع الدولي. فبين صفعة جندي وصرخة محبط، تضيع الحقيقة الكبرى: أن من يدفع الثمن دائماً هو الجنوب نفسه، وأهله الذين صمدوا… لكنهم لم يعودوا يملكون ترف الصبر إلى الأبد.
محمد شمس الدين- لبنان الكبير



