عهد عون… فارس كبا قبل السباق: الرجل لم يعد هو نفسه

هل انتهى عهد جوزاف عون؟

اذا كان ذلك صحيحاً فمن أنهاه وإن لم يكن فكيف يحييه؟

أسئلة بطعم الجواب تكاد تلف لبنان والعالمين العربي والغربي، وتعيد البلاد الى ما كانت عليه الحال قبل “حرب الاسناد” محولةً الرئيس اللبناني الجديد الى نسخة منقحة عمن سبقه سواء ظلماً أو صواباً.

ولا يستند هذا الانطباع الى فراغ أو أسس واهية، ولا في الضرورة الى كيديات سياسية أو شخصية من هنا أو هناك، بمقدار ما يستند الى وقائع لا تجد من يبررها، ومواقف لا تجد من يبايعها، واستراتيجيات لا تجد من يتفهمها، وفرص لا تجد من يتلقفها أو يستعيدها، اضافة الى شخصية عسكرية تخلت عن بزة القتال حيث لا يجب، وتمسكت بربطة العنق حيث لا يجدي، مكتفية بخطاب رئاسي ناري في البرلمان، قابلته خطب اطفائية ملتبسة في القصر الرئاسي.

فالرجل الذي دخل قصر بعبدا باصرار أميركي وارتياح لبناني ورضى عربي، لم يعد هو نفسه، أي الرجل الذي يوحي بالقدرة على الحسم في مكان والبعد عن المحاصصات والمسايرات في مكان آخر، متخذاً شخصية الرئيس الذي يريد أن يفعل الكثير في بيئة معقدة ومتشابكة لا تحتمل العمل الخطابي وحسب، وشخصية الرئيس الذي يريد من شعب يائس أن يصبر بدل أن يفتح له آفاق الغد الواعد، أو في معنى آخر الرئيس الذي لا يريد الصدام مع أحد ولو كان هذا الصدام شراً لا بد منه وثمناً لا بد من تسديده عندما يكون وطن في جهنم ويكون شعب في النار.

فما يجهله الرئيس عون أو يتجاهله على الأقل هو أنه يتعامل مع عاملين أساسيين متناقضين لا يمكنه التفاعل معهما في الوقت عينه، فاما يختار العامل الأول أي العامل الأميركي الذي يملك مفتاح معظم الحلول في الشرق الأوسط واما يختار العامل الايراني الذي يملك مفتاح كل المشكلات في المنطقة.

الحلول الوسط مرفوضة في الحسابات الأميركية وكذلك المناطق الرمادية، وهو ما ظهر جلياً للرئيس اللبناني خلال محادثاته مع الموفدين الأميركيين ومع الزعماء العرب والأجانب، وعبر الرسائل المباشرة التي تصله من الدولة العبرية الرابضة على خمس نقاط في جنوب لبنان والتي كان آخرها ما أصاب معاقل “حزب الله” في الضاحية والجنوب بضوء أخضر من الأميركيين الخائبين.

وما يغيب عن عون أنه ليس في موقع المنتصر في “حرب الاسناد” كي يحدد شروطاً يعرف سلفاً أنها لن تتحقق، وأن التمسك بما يرضي “حزب الله” ويعزز ذرائعه على مستوى السلاح، وما يرضي الرئيس نبيه بري على مستوى حصصه، لن يثمر تطبيقاً ناعماً للقرار ١٧٠١ ولا لاتفاق الطائف أو خطاب القسم أو حتى البيان الوزاري.

تقول مصادر ديبلوماسية غربية ان النهج الذي يتبعه عون أعاد الوضع في لبنان الى المربع الأول، وأعطى اسرائيل ما تحتاج اليه لمواصلة الحرب والاحتلال معاً، وأعطى الحزب ما يحتاج اليه ليبرر الاحتفاظ بسلاحه والالتفاف على القرارات الدولية، وأعطى ايران ما تحتاج اليه من وقت لتعزيز موقعها الى طاولة المفاوضات النووية الجارية مع واشنطن، وهو ما برز جلياً في تطورين لافتين، الأول تحريك جبهة الجولان عبر منظمة مجهولة تحمل اسم “قوات محمد الضيف” مهندس عملية “السابع من أكتوبر”، وذلك في محاولة ايرانية باطنية لضرب التقارب المتراكم بين الرئيس السوري أحمد الشرع والمسؤولين الاسرائيليين، والثاني زيارة وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي لبيروت حيث تصرف في العاصمة اللبنانية وكأنه في زمن ما قبل “حرب الاسناد”، أي في المدينة التي لم تدمر وفي البيئة التي لم تنهزم والقيادة التي لم تختفِ والأحوال التي لم تتغير أو تتخذ مسالك أخرى.

والواقع أن ما كان ينتظره عون من أجوبة ايجابية أو سلبية يمكن أن تخرج من مئذنة المفاوضات الايرانية – الأميركية جاءت من عراقجي نفسه، عندما تحاشى القرار ١٧٠١ وأيد “الجهود الديبلوماسية” الرامية الى انهاء الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب، معتبراً موضوع نزع السلاح “شأناً لبنانياً” لا علاقة له بالقرارات الدولية.

هذا الموقف تحديداً هو الذي دفع اسرائيل الى تحريك الجبهة اللبنانية عشية عيد الأضحى، لافهام الايرانيين أن دورهم العسكري في لبنان قد انتهى وكذلك دورهم في العالم النووي، وافهام عون ورئيس الوزراء نواف سلام أنها لن تنتظر حواراً عبثياً بين دولة لم تستعد سيادتها على كل أراضيها وميليشيا تواصل تدريباتها في غير مكان وتنقل السلاح الى مخازنها وأنفاقها من البحر والبر، وتعترض قوات “اليونيفيل” في الجنوب وتمنع الجيش من دهم مخازن مشبوهة، وتتعامل مع الرئيس اللبناني من باب المهادنة التي تمكنت بها من ضرب هيبته والحد من زخمه وهدر الفرص التي سنحت له عربياً ودولياً وحتى محلياً.

ويكشف مصدر قريب من الضاحية الجنوبية أن “حزب الله” يشعر بالارتياح حيال التراجع المخيف في شعبية عون ويعتبر موقفه المتصلب من إسرائيل والمطاطي من أميركا، مدخلاً له الى قصر بعبدا حيث تمكن منذ عهد الرئيس اميل لحود من صنع الرؤساء الموارنة أو المشاركة في صنعهم قبل أن يعمد لاحقاً الى استغلالهم ثم الى قتلهم سياسياً وشعبياً تماماً كما أصاب الرئيسان ميشال سليمان وميشال عون اللذان دخلا قصر بعبدا دخول الفاتحين وخرجا منه خاليي الوفاض.

مشكلة جوزاف عون الذي أصدر عقب الغارات الأخيرة بياناً ممانعاً لم يصدره الممانعون في عز عداواتهم مع تل أبيب، اعتقاده أن أميركا ستقدم اليه رأس الاحتلال الاسرائيلي مجاناً، وأنه قادر على حل موضوع السلاح بالحوار وتدوير الزوايا وربما بوس اللحى، متجاهلاً التحذيرات التي تؤكد أن “حزب الله” يعمل لتكثيف ترساناته لا تسليمها لا بل يعمل خلف الكواليس لمنع حلفائه الفلسطينيين من تسليم سلاحهم خشية أن ينسحب ذلك على سلاحه، الأمر الذي يعيدنا بالذاكرة الى منظمة “فتح الاسلام” ومخيم نهر البارد الذي اعتبره حسن نصر الله خطاً أحمر.

ويسأل مصدر في المعارضة: أين كان الضابط جوزاف عون خلال معركة نهر البارد، ألا يعرف ماذا كان موقف نصر الله وقتذاك؟ وأين كان يوم تنصل “حزب الله” من “بيان بعبدا” واعتبره حبراً على ورق؟ وأين كان يوم عمل على تهريب عناصر “داعش” الذين قتلوا جنوده الأسرى، ومنعوه من الاحتفال بانتصاره عليهم في “حرب الجرود”؟

ويختم سائلاً: ماذا تغير في أداء “حزب الله” كي ينجح في محو ذاكرة عون؟ ماذا يقنعه بأن “حزب الله” ليس جمعية خيرية بل تنظيم عقائدي صلب يؤمن بأمرين، الأول ولاية الفقيه وليس ولاية أي رئيس أو حاكم على وجه الأرض، والثاني السلاح الذي لا يمكن أن يتخلى عنه طوعاً لأحد حتى لو كان بندقية صيد.

الواضح حتى الآن أن العالم بأسره مقتنع بأن الحل في لبنان يكمن في حصر السلاح بالجيش اللبناني منفرداً باستثناء اثنين: عون وايران، وأن قرشاً واحداً لن يدخل الى خزينة لبنان قبل أن يقتنع الرئيس اللبناني بأنه يتعامل مع فريق يخفي تحت الأرض أكثر مما يظهره فوقها، وقبل أن يقتنع بأن الحكم يحتاج الى قرارات حاسمة وليس الى مستشارين بعضهم مقرب من الممانعة وبعضهم من بقايا عهد بائد.

انطوني جعجع- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة