سلام بعد 100 يوم: نؤسس لدولة حديثة رغم العراقيل

أكّد رئيس مجلس الوزراء اللّبنانيّ نواف سلام، في كلمةٍ له مساء اليوم الأربعاء بمناسبة مرور مئة يوم على نيّل حكومته ثقة مجلس النّواب، تصميم فريقه الوزاري على “المضيّ في مسار إصلاحي يُؤسِّس لدولةٍ حديثة” رغم ما وصفه بـ”الصعوبات والعراقيل” الّتي تعترض طريقه. وجاء الخطاب عشيّة حلول عيد الأضحى، حيث وجّه الرئيس التهنئة للبنانيين عمومًا والمسلمين خصوصًا، معبِّرًا عن أمله في ألّا تتكرّر “الأيام السوداء” التي شهدت صراعات عطّلت الاقتصاد وتسبَّبت في “هجرة الشباب”، على حدّ تعبيره.
وشدّد رئيس الحكومة على أنّ “الدولة ماضية في بَسْط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها”، وفق منطوق اتفاق الطائف، لافتًا إلى أنّ الجيش اللبناني واصل انتشاره جنوب الليطاني وفكّك أكثر من خمسمئة موقعٍ ومخزنٍ عسكري. لكنه أقرّ بأنّ الأمن الحقيقي يبقى رهنًا بإنهاء الانتهاكات الإسرائيلية اليوميّة، وانسحاب جيش الاحتلال من كلّ شبرٍ لبناني، وإطلاق الأسرى. وتعهّد “مواصلة الضغوط بكلّ الوسائل” لتطبيق القرار 1701 وتوفير الظروف الملائمة لعودة الأهالي وإعادة إعمار ما دمّره القصف.
ولتعزيز الاستقرار الداخليّ، كشف عن إجراءاتٍ مشدَّدة في مطار رفيق الحريري الدولي شَمِلَت تغييراتٍ إداريّة وتحسيناتٍ تقنيّة وعمليّاتيّة لإحكام الرقابة ومنع التهريب، فضلًا عن إطلاق خطّة لإعادة تأهيل طريق المطار وإزالة الشعارات الحزبيّة، في رسالةٍ مفادها أنّ المرفق الحيوي بات تحت إدارة الدولة وحدها. ومع دمشق، أُنشئت لجانٌ مشتركة لضبط الحدود ومنع التهريب والسعي إلى ترسيمها، بالتوازي مع ترتيباتٍ دوليّة تهدف إلى عودةٍ “آمنة وكريمة” للنازحين السوريين.
المسار السّياسيّ
وأشار رئيس الحكومة إلى إنجاز الانتخابات البلدية والاختيارية بعد انقطاعٍ دام تسع سنوات، معتبرًا أنّ إنجاز الاستحقاقات الدستورية شرطٌ أوّليّ لاستعادة ثقة الداخل والخارج. وفي هذا السياق أيضًا، تحدّث عن سلسلة زياراتٍ خارجية لرئيس الجمهورية ولأعضاء الحكومة أعادت “لبنان إلى الخريطة العربيّة”، من المملكة العربية السعودية إلى سوريا والإمارات، وصولًا إلى تمثيله شخصيًّا لبنان في قمّة بغداد العربيّة. الهدف، كما قال، “فتح صفحة تعاون جديدة” تمكّن البلاد من الإفادة من التحوّلات الإقليمية، انطلاقًا من قناعةٍ بأنّ لبنان لا يمكنه النهوض خارجَ عمقه العربي ولا من دون رؤيةٍ مستقبلية واضحة.
الاقتصاد والمال
اقتصاديًّا وماليًّا، أعلن الرئيس أنّ حكومته لا تراهن على “حلولٍ وهمية” بل على تصحيح أخطاء الماضي. فأوّل الغيث كان إقرار قانون رفع السرّية المصرفية. خطوةٌ وصفها بأنّها “نقلة نوعية نحو الشفافية” وشرطٌ أساسيٌّ لاستعادة حقوق المودعين وثقة الأسواق. وتلا ذلك إقرار مشروع قانون إعادة هيكلة المصارف في مجلس الوزراء ليُحال قريبًا إلى البرلمان، بينما يُعَدّ قانون “الفجوة الماليّة” لتحقيق عدالة طال انتظارها. هنا جدّد تأكيده “الحاسم” استبعاد فكرة شطب الودائع نهائيًا، واضعًا نفسه في موقع “المنحاز أخلاقيًا للناس”، ودحض الاتهامات بأنّ الحكومة تسعى إلى ضرب القطاع المصرفي بقوله إنّ الإجراءات ترمي إلى الحماية وإعادة الثقة لا إلى التصفية. وفي ملف صندوق النقد الدولي، أشار إلى تقدّم المفاوضات “بجدّية ومسؤوليّة”، معتبرًا الصندوق مجرّد “أداة” يجب توظيفها لخدمة المصلحة العامّة، متعهّدًا بتوقيع الاتفاق خلال ولاية الحكومة.
ولأنّ التعافي لا يقوم على الحسابات المالية البحتة، تناول الحديث تحفيز النمو الاقتصادي عبر خطّةٍ سياحية متكاملة هدفها استرجاع السائح الخليجي، وتنشيط الزراعة والصناعة والمجالات الرقميّة والثقافيّة والفنية التي يبدع فيها الشباب. ومن صُلب هذا التوجّه، أشار إلى إعادة الحياة لمدينة كميل شمعون الرياضيّة بعد غياب، وإلى زياراتٍ ميدانية للجنوب والبقاع والشمال لتشخيص المشاريع الإنمائية المطلوبة. ومن أبرز هذه المبادرات وضعُ مخطّطٍ توجيهيٍّ لمطار رينيه معوّض في القليعات يُنجَز خلال أسبوعين، تليه دراسةُ جدوى لتشغيله، بما يحقّق “مكاسب تنموية كبيرة” للشمال ولبنان عمومًا.
الإصلاح الإداريّ والقضائيّ
إداريًّا وقضائيًّا، عدّ الرئيس استقلالية القضاء أولويةً لاستعادة الثقة، كاشفًا عن إحالة مشروع قانون بهذا الخصوص إلى البرلمان بعد طول انتظار. وامتدّ الحديث إلى تفعيل المحاكمات داخل سجن رومية لمعالجة اكتظاظ الموقوفين، وإلى ضرورة استئناف تحقيق انفجار مرفأ بيروت تحت شعار “ارفعوا أيديكم عن القضاء”. وعلى صعيد التوظيف، اعتمدت الحكومة آليةً تقوم على الشفافية والجدارة قطعت مع عهود المحسوبيات؛ فعُيّن مجلسُ الإنماء والإعمار بموجبها، ويجري التحضير لتعيين الهيئات الناظمة للكهرباء والاتصالات والطيران المدني. واستكمالًا لمسار ضبط المخالفات وحماية الموارد العامة، استعادت الحكومة مراسيم الأملاك البحرية المخالِفة وأوقفت التمديد العشوائي للكسّارات.
الخدمات الاجتماعية والإعمار
وأشار رئيس الوزراء إلى الحاجة الماسّة لتحسين خدماتٍ أساسيةٍ لطالما شكّلت عنوان معاناةٍ يوميّة للبنانيين، من الاتصالات إلى الكهرباء. فأُعِدّت خطّةٌ شاملة لإصلاح القطاع الكهربائي تعالج الإنتاج والتوزيع والتحصيل وتوسّع الاستثمار في الطاقة المتجدّدة. وفي المجال الاجتماعي، نجحت الحكومة في تأمين تمويل إضافي لبرنامج “أمان” ليغطّي نحو ثمانمئة ألف مستفيد، كما سجّلت تحسّنًا ملموسًا في الخدمات الطبية وأعطت دفعةً لتفعيل الضمان الاجتماعي. أمّا بالنسبة إلى موظّفي الدولة والمتقاعدين، فأكّد أنّ الملف حاضرٌ على الطاولة بحثًا عن حلولٍ مستدامة للرواتب والأجور والتقاعد.
في ملف الإعمار ودعم المجتمع الدولي، أمّنت الحكومة قرضًا بقيمة 250 مليون دولار من البنك الدولي لتمويل عمليات إعادة الإعمار العاجلة، وتعمل مع وكالات الأمم المتحدة على مشاريع تتجاوز قيمتها 350 مليون دولار في الجنوب موزَّعةً على التعليم والصحة والمأوى والأمن الغذائي، ضمن خطةٍ تمتدّ أربع سنوات. ولفت الرئيس إلى التحضير لمؤتمر دولي لإعادة الإعمار وآخر لجذب الاستثمارات سيُعقدان في الأشهر المقبلة، واعدًا بأن يوافي اللبنانيين تباعًا بتفاصيل ما أُنجز وما سيُنجز.
في ختام حديثه أكّد سلام أنّ “ما حقّقناه حتى الآن ليس إنجازًا، بل الحدّ الأدنى المطلوب لإعادة الثقة بالدولة وتأسيس حياةٍ كريمة”. واعترف بصعوبة الظرف، طالبًا من الناس مواكبة مسار العمل ومحاسبة الحكومة عند التقصير، مشدّدًا على التزامه “العمل حتى اللحظة الأخيرة” وعدم السماح لأيّ عراقيل بأن تثنيه عن مشروع الإنقاذ. ووسط تمنّياتٍ بأن يحمل العيد سكينةً إلى بلدٍ أدماه الانقسام، ختم بمعايدةٍ أخيرة: “كلّ عام وأنتم وبلادُنا بألف خير”.
