قوى التغيير: مراجعة ما بعد الانتكاسة وتراكم الإخفاقات وتشرذم الخطاب!

شكّلت الانتخابات البلدية في بيروت نكسة واضحة لائتلاف المجموعات التغييرية، التي كانت قد شكّلت ركيزة أساسية في مشهد بيروت السياسي البديل منذ عام 2016. التراجع الكبير في الحضور الشعبي لهذه القوى يطرح أسئلة جديّة حول ما إذا كانت هذه النتائج مؤشراً لحجم القوى التغييرية في الانتخابات النيابية المقبلة، بعد أقل من عام.

في هذا السياق، يبرز تساؤل محوري: هل فشل النواب التغييريين في الحفاظ على ثقة الناخبين الذين أوصلوا 12 نائباً تغييرياً إلى البرلمان في انتخابات 2022؟ وإذا صحّ هذا الفرض، ما الأسباب التي أدّت إلى تراجع التأييد الشعبي؟ هل تعود إلى الأداء السياسي؟ إلى تشرذم الخطاب؟ أم إلى غياب خطة سياسية واضحة ومتجانسة تعبّر عن طموحات الناس؟

بعيداً عن الخطاب الانفعالي، يمكن القول إن هذه النتائج لا تعبّر فقط عن أرقام صناديق الاقتراع، بل تكشف عن حاجة ملحّة لإعادة تقييم العلاقة مع الناس، وأسلوب العمل السياسي، وطريقة التعبير عن المشروع التغييري.

الطرح الكلاسيكي لقوى التغيير
من بين الملاحظات التي تتكرّر في أحاديث الناس أن بعض الناخبين شعروا أن الخطاب التغييري أصبح نخبويًا في بعض جوانبه، أو على الأقل لم ينجح دائمًا في ترجمة شعاراته إلى لغة قريبة من الناس وهمومهم اليومية. فئة من الناس بدت غير معنية مباشرة بالمعركة، أو موزعة بين حنين لزعامات تقليدية، أو انتظار لبديل جديد لا يشبه تمامًا الطرح الكلاسيكي للقوى التغييرية.

كما أن الحضور الميداني في بعض المناطق لم يكن مكثفًا بما يكفي، وهو ما أضعف قدرة هذه القوى على التعبئة الشعبية في مواجهة أحزاب تملك حضورًا متجذرًا وشبكات تنظيمية فاعلة. هذا لا يلغي الجهود التي بُذلت، لكنه يسلّط الضوء على أهمية العودة إلى الشارع بمعناه الحقيقي، كمساحة تفاعل مباشر، لا فقط كرمزية سياسية.

لا يخفي النائب إبراهيم منيمنة وجود مؤشرات تدعو إلى القلق والتأمل، لكنه يحرص على تفكيك المشهد الشعبي وتقديم قراءة غير تبسيطية لما جرى. يقول لـ”المدن”: “أعتقد أنّ الحضور الشعبي ليس جسماً واحداً، بل يتوزّع على مستويات متعددة. هناك الملتزمون معنا، والذين ما زالوا، برأيي، على موقفهم، وهناك فئات لم تحسم خيارها، وتتأثّر طبعًا بالمناخ الإعلامي والحملات التي تستهدفنا. وهؤلاء ممكن أن يتأثروا بأجواء الشحن الطائفي التي رافقت الانتخابات البلدية.” ويضيف “لا أريد أن أختزل الانتخابات في الجو الطائفي فقط، ولكن لا يمكن إنكار أن الحملات الإعلامية والتعبئة الممنهجة أثّرت على الناس. وطريقة خوض الانتخابات من قبل القوى التقليدية، وخاصة في النظام البلدي، تختلف جذريًا. فالمعيار في الانتخابات البلدية لا يشبه النيابية، ولا يمكن أن نقرأ النتائج على أنها صورة مطابقة للحجم السياسي الشعبي”.

بدوره، يرى ميشال حلو، الأمين العام لحزب الكتلة الوطنية، أنّ هذه النتائج لا يمكن تبريرها فقط بالقانون الانتخابي أو ظروف المعركة، بل ينبغي التعامل معها بجدية كاملة. يقول” الانتخابات البلدية تختلف عن النيابية من حيث القانون، إذ لا وجود لتصويت المغتربين، كما أن النظام الأكثري يفرض على الناخب أن يختار لائحة جاهزة، بخلاف النظام النسبي المعتمد في الانتخابات النيابية، حيث تكون اللوائح داخل قلم الاقتراع. هذا يمنح القوى التقليدية الأفضلية من حيث عدد المندوبين وقدرتهم على إدارة المعركة ميدانيًا”، ويتابع “لكن، على الرغم من هذه الفروقات، لا بدّ من التعامل مع نتائج المعركة بجدّية. فالنتائج أظهرت أن القوى التي تطرح خطاباً تغييرياً أو إصلاحياً، لم تنجح في إقناع أهالي بيروت، وهذه حقيقة علينا مواجهتها. كما أن هذه المرحلة تستوجب مراجعة عميقة، سواء في الخطاب أو في الأداء السياسي والتنظيمي”.

خطاب التغيير لم يعد كافياً
أيضاً، يعترف منيمنة بأنّ خطاب “التغيير” بصيغته التقليدية لم يعد كافياً لحشد الناس، وبأن التحولات في المشهد السياسي فرضت إعادة تموضع.” أنا منذ تشكيل الحكومة الثانية، أعلنت بوضوح أن عنوان التغيير بوصفه شعاراً لم يعد كافياً. التحالفات تغيّرت، والمشهد تبدّل، وأصبح من الضروري إعادة رسم عملية الفرز السياسي من جديد. لا يمكننا أن نواصل رفع شعارات قديمة في ظروف سياسية مختلفة. فاليوم، بعض القوى التغييرية باتت جزءاً من المؤسسات وتخوض مواجهات من داخلها، وهذا يتطلّب خطاباً أكثر وضوحاً ومقاربة مختلفة”.

ويوافقه الرأي ميشال حلو، إذ يشدّد على أن المراجعة المطلوبة ليست تقنية أو شكلية، بل تمسّ جوهر المشروع السياسي. فيعتبر أن “كل التيارات السياسية تمرّ بمراحل مفصلية كالتي نعيشها اليوم، وهذه اللحظات تتطلّب مراجعة جادة للخطط والسياسات، وللأداء أيضاً. لا يكفي أن نقول إن التحالفات التقليدية نجحت رغم تناقضاتها. يجب أن نسأل: لماذا لم ننجح نحن؟ ولماذا لم نتمكّن من تقديم خطاب جامع وجذاب للناخبين؟ الناس تريد الجديد، نعم، لكن ليس كل جديد تغييري. وهنا، التحدّي الأكبر”.

هكذا، تكشف هذه الانتخابات أن التراجع ليس صدفة ولا معزولاً عن السياق السياسي العام. إنه نتيجة لتراكم إخفاقات، وتشتت في الخطاب، وعدم التماسك في التحالفات، وفشل في بناء ثقة راسخة مع القواعد الشعبية. فهل تنجح القوى التغييرية في ترجمة هذه النكسة إلى لحظة مراجعة فعلية تعيد لها بريقها السياسي قبل الانتخابات النيابية المقبلة؟ أم أن هذه النكسة ستكون بداية أفول مشروع لم يُستثمر جيداً منذ بداياته؟ الأيام وحدها ستجيب.

المدن

مقالات ذات صلة