الحرب الأمنية أكثر شراسة من العسكرية: المنشد “العميل” يهزّ البيئة الحاضنة

لم يكن توقيف محمد هادي صالح حدثاً عادياً في مسار الحرب الأمنية بين إسرائيل ولبنان. الشاب الذي لطالما اشتهر في أوساط “حزب الله” بتلاوة الأناشيد الحماسية ونشر صور الرفاق الشهداء، تبيّن أنه كان أخطر منشد في تاريخ الحزب، ليس بصوته بل بما قدّمه من معلومات. لقد انهارت الصورة فجأة، وظهر خلفها أحد أكبر العملاء الذين تمّ توقيفهم منذ اندلاع الحرب الأخيرة.

الصدمة الأولى كانت شخصية: صالح ليس شخصاً عادياً. إنه نجل أحد المسؤولين في الحزب، ويدور في فلك القيادات والمقاتلين، يعرفهم وجهاً لوجه، يصوّرهم، يشيّعهم، وينعاهم. لكنّ الصور ذاتها التي كانت تُنشر على “فايسبوك” باتت اليوم أداة قتل جماعي، إذ تُظهر التحقيقات أن صالح كان يُرسل تلك الصور، ومواقع التقاطها، إلى الموساد، مسهّلاً عمليات الاغتيال التي طالت العديد من القادة، وآخرهم حسن بدير ونجله علي، اللذان سقطا في ضربة إسرائيلية استهدفت منزلهما في حيّ الجاموس – الضاحية الجنوبية، نهاية آذار الماضي.

الصدمة الثانية كانت تقنية: لم يكن صالح وحده “عميلاً”، بل هاتفه أيضاً. فالهاتف الذكي – كما تبيّن – لم يعد أداة تواصل فقط، بل أداة تجسس، يكفي اختراقه ليتحوّل إلى “عين الموساد”. لم يعد الخطر في “المصوِّر” العميل وحسب، بل في الصور ذاتها، في التطبيق، في الـGPS، في كل حركة تُوثّق، وكل لقاء يُنشر. هكذا صار السلاح الاعلامي للحزب سيفاً مصلتاً عليه، وسقطت القاعدة الذهبية: “لا صور في الميدان”، أمام فوضى الذكاء الاصطناعي وخوارزميات الرقابة.

وبينما ضجّت وسائل التواصل بالتسريبات عن توقيفات جديدة – طالت بحسب الشائعات “تيك توكرز” ومؤثرين على صلة بالحزب – نفت مصادر أمنية في حديث لموقع “لبنان الكبير” حصول اعتقالات بهذا الحجم، مؤكدة أن العمل الأمني مستمر، من دون تضخيم أو تهويل. لكن التسريبات كُتبت، والشكّ تسلّل، وتحوّلت الضاحية إلى ساحة شكّ وريبة، حيث عُلّقت مشنقة رمزية في إحدى ساحاتها، في رسالة شعبية غاضبة تطالب بـ”الاقتصاص من العملاء”.

ومع إحالة محمد هادي صالح على القضاء العسكري، وادعاء مفوض الحكومة عليه بجرائم تصل عقوبتها إلى الاعدام، صار الشاب الذي أنشد لـ”حزب الله” ذات يوم، مرشحاً ليكون الواجهة السوداء لاختراق أمني عميق. ليس لأنه وحده أخطر عميل، بل لأنه كان جزءاً من “الداخل الحميم”… حيث لا تُطرح الأسئلة ولا تُشهر الشكوك.

وبحسب المعلومات الأولية، لم يكن صالح يعمل ضمن شبكة، بل كان حلقة منفردة – كما باتت تعتمد إسرائيل منذ سنوات – في إطار تفكيك “شبكات” الموساد القديمة لصالح تجنيد أفراد ذوي نفاذ شخصي. وكشفت المعلومات أنه كان يُبلغ الاسرائيليين باسم القائد الذي يُعيّن خلفاً لمن تم اغتياله، ويُرسل صورته فور التقاطها.

حتى الآن، ارتفع عدد الموقوفين بتهمة التعامل مع العدو إلى 21 شخصاً، بينهم 13 لبنانياً و6 سوريين وفلسطينيان، ما يشير إلى أن الحرب الاستخباراتية تتطوّر بأساليب جديدة. فالعميل لم يعد رجلاً في الظل، بل شاب في الضوء، يبتسم في صور الشهداء، ويتصدّر المشهد قبل أن يُدين خلف الكواليس.

وهنا تكمن خطورة المرحلة: عندما تتحوّل بيئة المقاومة إلى مادة تجسس، وعندما تصبح أقرب الحلقات إلى القيادة هي الثغرة، تصبح الحرب الأمنية أكثر شراسة من العسكرية… وأقرب إلى القلب.

محمد شمس الدين- لبنان الكبير

مقالات ذات صلة