“القوات” أمام معركة كسر عضم… والمنازلة على أشدها الأحد بقاعاً

بين عام 2016 وعام 2025، تبدّل المشهد كثيراً. حلفاء الأمس في البلدات المسيحية في قرى البقاع الشمالي، تحولوا إلى خصوم. المعركة العونية – القواتية، التي طبعت السنوات الأخيرة على المستوى الوطني، انتقلت اليوم إلى هذه القرى، بل قد تكون تمهيداً لتبدّل في الهوية السياسية والانتخابية لهذه المناطق، وتحديداً تلك ذات “البصمة القواتية”، استعداداً لمعركة أكبر وأشمل في الانتخابات النيابية العام المقبل. لا شيء محسوم حتى هذه اللحظة، وإنما ضبابية تخيم على الجو التنافسي لغاية ساعة إعلان النتائج، غير أنّ المؤكد أن معارك حامية ستشهدها خصوصاً بلدات القاع ورأس بعلبك ودير الأحمر الأحد. معارك مغلّفة بإطار عائلي تقليدي يخفي خلفه مواجهة سياسية واضحة، على الرغم من محاولات بعض القوى السياسية والفعاليات الكبيرة إبقاء المواجهة تحت سقف العائلات والاعتبارات الإنمائية.
القاع: أمّ المعارك البقاعية
في بلدة القاع الحدودية، تبدو المنافسة على أشدّها بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”. مشهدان متقابلان في القاع يعكسان مشروعين متناقضين: الأول يسعى إلى تثبيت زعامة قواتية بقيادة رئيس البلدية الحالي بشير مطر، الذي يخوض معركة “أرضي هويتي لنبقى”، مستنداً إلى ما يعتبره امتداداً لزعامة تاريخية متجذّرة في البلدة. والثاني يعمل على الإطاحة بهذه الزعامة تحت غطاء من التحالفات المتعددة الاتجاهات وعلى رأسها “التيار” وبدعم من شخصيات وازنة في المنطقة، ويترأس اللائحة نقولا مطر رئيس البلدية الأسبق، ويعملون بشكل منسّق على كسر ما يرونه “سيطرة قواتية” على القرار المحلي الإنمائي ويدعون إلى ضخّ “نفس جديد” في الحياة المحلية عبر تمثيل عائلي واسع ومستقل.
في المقابل، القواتيون في القاع ليسوا حالة طارئة أو مفروضة، بل يشكلون شريحة مؤثرة من الناخبين، ولهم تأثير فعال على مستوى القرار المحلي، ما يجعلهم مطمئنين نسبياً إلى مجريات المعركة الانتخابية حتى اللحظة، كما تؤكد المصادر القواتية لـ”المدن”. وأبعد من ذلك “فالمعركة معركتهم” وتتجاوز حدود الإنماء المحلي في وجه “التيار” ونائبه سامر التوم.
متماسك الفريق الأول على الأرض، يمتلك نقاط قوة لاعتماده على خلفيته الحزبية واختياره للمرشحين من مختلف العائلات، في مقابل اللائحة الثانية التي أخذت جدلاً طويلاً إلى حين الاتفاق على المرشحين.
أمّا المفارقة فكانت بإنسحاب طوني شحود من المعركة. هنا تبدّلت المقاييس، وأُضيف بعد جديد ومهم لمسار المعركة، وتحول ملموس في ملامح المواجهة. فانسحاب شحود لم يكن مجرد خروج فردي، بل ترافق مع انكفاء عدد من العائلات الداعمة له، والتي بات من المرجّح أنها لن تصوّت لصالح القوات. هذا الانسحاب رفع من أسهم لائحة نقولا مطر “العونية”، ومنحها دفعًا انتخابيًا، مع تبدّل كفّة الميزان لصالحها، كما تؤكد مصادر متابعة. ترى المصادر أنّ التعويل بات كبيرًا على “الكتلة الصامتة” التي انسحبت وفضّلت النأي بنفسها عن المواجهة، رافضة الدخول في لعبة الاصطفافات الحادة. هذه الكتلة، التي تضم عائلات كبيرة ومؤثّرة مثل عوض ومخلوف، مرشحة لتكون “بيضة القبان” التي قد تحسم النتيجة في اللحظة الأخيرة، سواء من خلال تصويتها المفاجئ أو عبر استمرارها في المقاطعة، ما يخلّف فراغًا في التوازن يُستثمر لصالح أحد الطرفين.
خلاصة المشهد في القاع تُختصر بوجود ثقل قواتي فعلي في البلدة لا يمكن إنكاره، لكنّه لم يعد كافياً لحسم المعركة بسهولة، في ظل بروز قوى تواجه هذا الواقع، ومؤشر واضح على تحوّل في المزاج المحلي. وتعيد المصادر التذكير أن فوز “القوات اللبنانية” في انتخابات 2016، لم يكن بجهد حزبي صرف، بل جاء “بدعم أساسي من أبناء التيار الوطني الحر والعسكريين المتقاعدين”، ما يطرح علامات استفهام حول قدرة “القوات” على تكرار الانتصار هذه المرة دون ذلك الرافد الداعم.
رأس بعلبك: منافسة حامية
وفي سياق المشهد الانتخابي الأوسع في منطقة بعلبك، تشهد بلدة رأس بعلبك منافسة حامية بين لائحتين رئيسيتين، تعكس الانقسام السياسي المحلي بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”.
اللائحة الأولى “نبض رأس بعلبك”، مدعومة من “القوات”، يترأسها رجل الأعمال نضال مشرف وطوني العرجا مناصفة. في المقابل، تخوض اللائحة الثانية المعركة تحت اسم “ضيعتنا ومسؤوليتنا”، ويرأسها مناصفة سليم نصر الله وميشال روفايل، وهي مدعومة من “التيار الوطني” و”الكتائب”، وعدد من العائلات، والدعم الأبرز لرجل الأعمال حسان البشراوي والوزير السابق ألبير منصور. تركيبة يعول عليها خلافاً للانتخابات السابقة في إيصال اللائحة الثانية إلى المجلس البلدي في رأس بعلبك.
وعليه، يترقب أبناء رأس بعلبك نتائج هذه المواجهة البلدية، وسط أجواء من التعبئة السياسية المتزايدة، حيث يُنظر إلى هذه الانتخابات كاختبار محلي لتوازن القوى بين الطرفين في البلدة.
دير الأحمر: اعتراضات شعبية على “القوات”
في دير الأحمر، المعروفة بولائها السياسي لحزب “القوات اللبنانية” عبر التاريخ، تشهد المعركة الانتخابية اليوم تطورًا مختلفًا تمامًا عن سابقاتها. تشهد البلدة اعتراضات من بعض الأهالي على آلية تشكيل “لائحة التوافق” المدعومة من “القوات” في الانتخابات البلدية، والتي يتولى رئاستها المهندس هنري فخري.
وبحسب مصادر محلية، أبدى عدد من أبناء البلدة امتعاضهم من آلية اختيار المرشحين، معتبرين أن ما طُرح باسم “لائحة التوافق” لم يعكس توافقًا حقيقيًا، بل كان نتيجة “قرارات” فوقية لم تأخذ في الاعتبار مشاورات فعلية مع القواعد الشعبية. ورغم ذلك، شدد المعترضون على أهمية صندوق الاقتراع كوسيلة فصل، مؤكدين أن من يفوز سيمثل جميع العائلات في البلدة بأفضل شكل داخل المجلس البلدي.
في المقابل، تؤكد مصادر “القوات اللبنانية” لـ”المدن” أن الحزب كان حريصًا منذ البداية على إجراء العملية الانتخابية وفق معايير مثالية، مشيرة إلى أن الهدف كان تشكيل مجلس بلدي متكامل يضم كفاءات من مختلف العائلات، بالإضافة إلى تخصصات متنوعة، بهدف تحقيق تنمية حقيقية وشاملة.
أكدت المصادر أن “القوات” تواصلت مع مختلف العائلات وطلبت منها ترشيح أسماء مناسبة من داخلها، إلا أن بعض العائلات فضّلت ترك القرار للحزب بشكل كامل. مشيرة إلى قول أحدهم: “كلنا في دير الأحمر هوانا قوات لبنانية”. وأضافت المصادر أن ما يطمح إليه الحزب هو عدم تكرار التجربة السابقة مع المجلس البلدي الذي انهار تقريبًا، لذلك سعوا إلى معايير مختلفة عمّا كان في المجلس البلدي الحالي. في المقابل، لا توجد لائحة متكاملة متنافسة مع لائحة “التوافق”، بل مجموعة من الأشخاص المستقلين الذين أرادوا كسر النمطية في إيصال المرشحين إلى المراكز عبر الرافعة الحزبية فقط.
لم يتم التوصل إلى التوافق هذه المرة بين “القوات” و”التيار” كما حدث في الانتخابات السابقة. وستكون المنازلة في أوجها يوم الأحد في صناديق الاقتراع في هذه البلدات المسيحية. وفقًا للنتائج، ستشهد هذه البلدات تحوّلًا في ملامح الخريطة السياسية، إعادة رسم التوازنات وكشف المزاج الشعبي في البلدة.
زينب زعيتر- المدن


